تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عَلَى مَاخَذِ إمَامِهِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ , فَتَارَةً يُثْبِتُهُ بِمَا أَثْبَتَهُ بِهِ إمَامُهُ , وَلَا يَعْلَمُ بِالْمُوَافَقَةِ , وَتَارَةً يُثْبِتُهُ بِغَيْرِهِ , وَلَا يَشْعُرُ بِالْمُخَالَفَةِ. وَمَحْذُورُ ذَلِكَ: مَا يَسْتَجِيزُهُ فَاعِلُ ذَلِكَ مِنْ تَخْرِيجِ أَقَاوِيلِ إمَامِهِ مِنْ مَسْأَلَةٍ إلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى , وَالتَّفْرِيعُ عَلَى مَا اعْتَقَدَهُ مَذْهَبًا لَهُ بِهَذَا التَّعْلِيلِ , وَهُوَ لِهَذَا الْحُكْمِ غَيْرُ دَلِيلٍ , وَنِسْبَةُ الْقَوْلَيْنِ إلَيْهِ بِتَخْرِيجِهِ , وَرُبَّمَا حَمَلَ كَلَامَ الْإِمَامِ فِيمَا خَالَفَ نَظِيرَهُ عَلَى مَا يُوَافِقُهُ , اسْتِمْرَارًا لِقَاعِدَةِ تَعْلِيلِهِ وَسَعْيًا فِي تَصْحِيحِ تَاوِيلِهِ , وَصَارَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَنْقُلُ عَنْ الْإِمَامِ مَا سَمِعَهُ , أَوْ بَلَغَهُ عَنْهُ , مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سَبَبٍ وَلَا تَارِيخٍ , فَإِنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ قَرِينَةٌ فِي إفَادَةِ مُرَادِهِ مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ , كَمَا سَبَقَ , فَيَكْثُرُ لِذَلِكَ الْخَبْطُ ; لِأَنَّ الْآتِيَ بَعْدَهُ يَجِدُ عَنْ الْإِمَامِ اخْتِلَافَ أَقْوَالٍ , وَاخْتِلَالَ أَحْوَالٍ , فَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ نِسْبَةُ أَحَدِهِمَا إلَيْهِ , عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبٌ لَهُ , يَجِبُ عَلَى مُقَلِّدِهِ الْمَصِيرُ إلَيْهِ , دُونَ بَقِيَّةِ أَقَاوِيلِهِ , إنْ كَانَ النَّاظِرُ مُجْتَهِدًا. وَأَمَّا إنْ كَانَ مُقَلِّدًا: فَغَرَضُهُ مَعْرِفَةُ مَذْهَبِ إمَامِهِ بِالنَّقْلِ عَنْهُ , وَلَا يَحْصُلُ غَرَضُهُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الْجَمْعَ , وَلَا يَعْلَمُ التَّارِيخَ , لِعَدَمِ ذِكْرِهِ , وَلَا التَّرْجِيحَ عِنْدَ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا لِتَعَذُّرِهِ مِنْهُ , وَهَذَا الْمَحْذُورُ إنَّمَا لَزِمَ مِنْ الْإِخْلَالِ بِمَا ذَكَرْنَا , فَيَكُونُ مَحْذُورًا , وَلَقَدْ اسْتَمَرَّ كَثِيرٌ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ , وَالْحَاكِينَ عَلَى قَوْلِهِمْ " مَذْهَبُ فُلَانٍ كَذَا " وَ " مَذْهَبُ فُلَانٍ كَذَا " , فَإِنْ أَرَادُوا بِذَلِكَ: أَنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ فَقَطْ , فَلِمَ يُفْتُونَ بِهِ فِي وَقْتٍ مَا , عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُ الْإِمَامِ؟ وَإِنْ أَرَادُوا: أَنَّهُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ , وَيَمْتَنِعُ الْمَصِيرُ إلَى غَيْرِهِ لِلْمُقَلَّدِ , فَلَا يَخْلُو حِينَئِذٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ التَّارِيخُ مَعْلُومًا , أَوْ مَجْهُولًا , فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا , فَلَا يَخْلُوا: إمَّا أَنْ يَكُونَ مَذْهَبَ إمَامِهِ: أَنَّ الْقَوْلَ الْأَخِيرَ يَنْسَخُ الْأَوَّلَ إذَا تَنَاقَضَا , كَالْأَخْبَارِ , أَوْ لَيْسَ مَذْهَبُهُ كَذَلِكَ , بَلْ يَرَى عَدَمَ نَسْخِ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي , أَوْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ , فَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ اعْتِقَادَ النَّسْخِ: فَالْأَخِيرُ مَذْهَبُهُ , فَلَا تَجُوزُ الْفَتْوَى بِالْأَوَّلِ لِلْمُقَلِّدِ , وَلَا التَّخْرِيجُ مِنْهُ , وَلَا النَّقْضُ بِهِ , وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ: أَنَّهُ لَا يُنْسَخُ الْأَوَّلُ بِالثَّانِي عِنْدَ التَّنَافِي , فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ يَرَى جَوَازَ الْأَخْذِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ الْمُقَلِّدُ إذَا أَفْتَاهُ الْمُفْتِي , أَوْ يَكُونُ مَذْهَبُهُ الْوَقْفَ , أَوْ شَيْئًا آخَرَ , فَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ الْقَوْلَ بِالتَّخْيِيرِ: كَانَ الْحُكْمُ وَاحِدًا لَا يَتَعَدَّدُ , وَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى الْوَقْفَ: تَعَطَّلَ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ , وَلَا يَكُونُ لَهُ فِيهَا قَوْلٌ يُعْمَلُ عَلَيْهِ سِوَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْعَمَلِ بِشَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِهِ , وَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ إمَامِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ: فَهُوَ لَا يَعْرِفُ حُكْمَ إمَامِهِ فِيهَا , فَيَكُونُ شَبِيهًا بِالْقَوْلِ بِالْوَقْفِ فِي أَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ الْعَمَلِ بِشَيْءٍ مِنْهَا , هَذَا كُلُّهُ إنْ عَلِمَ التَّارِيخَ , وَأَمَّا إنْ جَهِلَ: فَإِمَّا أَنْ يُمْكِنَ الْجَمْعُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ , بِاخْتِلَافِ حَالَيْنِ أَوْ مَحَلَّيْنِ , أَوْ لَا يُمْكِنُ , فَإِنْ أَمْكَنَ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُ إمَامِهِ جَوَازَ الْجَمْعِ حِينَئِذٍ كَمَا فِي الْآثَارِ وَوُجُوبَهُ , أَوْ التَّخْيِيرَ , أَوْ الْوَقْفَ , أَوْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ , فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ , أَوْ الثَّانِي: فَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ إلَّا قَوْلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مَا اجْتَمَعَ مِنْهُمَا , فَلَا يَحِلُّ حِينَئِذٍ الْفُتْيَا بِأَحَدِهِمَا عَلَى ظَاهِرِهِ , عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ , وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ: فَمَذْهَبُهُ أَحَدُهُمَا بِلَا تَرْجِيحٍ , وَهُوَ بَعِيدٌ , سِيَّمَا مَعَ تَعَذُّرِ تَعَادُلِ الْأَمَارَاتِ , وَإِنْ كَانَ الرَّابِعُ , أَوْ الْخَامِسُ: فَلَا عَمَلَ إذًا , وَأَمَّا إنْ لَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ مَعَ الْجَهْلِ بِالتَّارِيخِ: فَإِمَّا أَنْ يَعْتَقِدَ نَسْخَ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي أَوْ لَا يَعْتَقِدُ , فَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ: وَجَبَ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْأَخْذِ بِأَحَدِهِمَا ; لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَيَّهُمَا هُوَ الْمَنْسُوخُ عِنْدَهُ , وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ النَّسْخَ: فَإِمَّا التَّخْيِيرُ. وَإِمَّا الْوَقْفُ , أَوْ غَيْرُهُمَا , وَالْحُكْمُ فِي الْكُلِّ سَبَقَ , وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ: فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِحْضَارِ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ نُصُوصِ إمَامِهِ عِنْدَ حِكَايَةِ بَعْضِهَا مَذْهَبًا لَهُ , ثُمَّ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ إمَامُهُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ تَجْدِيدِ الِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ أَوْ لَا , فَإِنْ اعْتَقَدَهُ: وَجَبَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُهُ فِي كُلِّ حِينٍ أَرَادَ حِكَايَةَ مَذْهَبِهِ , وَهَذَا يَتَعَذَّرُ فِي مَقْدِرَةِ الْبَشَرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي الْإِحَاطَةَ بِمَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ عَلَى جِهَتِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ يُسْأَلُ , وَمَنْ لَمْ يُصَنِّفْ كُتُبًا فِي الْمَذْهَبِ , بَلْ أَخَذَ أَكْثَرَ

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ٣٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ٣٥٢