تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عَلَى بِلَادِنَا وَزَمَانِنَا , فَقَدْ ذَهَبَ الْعِلْمُ وَكَثُرَ الْجَهْلُ وَقُدِّمَتْ الْجُهَّالُ وَاطَّرَحَتْ الْعُلَمَاءُ - فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ - وَأَمَّا سَلَامَةُ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ عِيَاضَ حَكَى فِيهِ الْإِجْمَاعَ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ , وَهُوَ الْمَعْرُوفُ إلَّا مَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ قَضَاءُ الْأَعْمَى وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ , وَلَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ , وَلِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى قَضَاءٌ وَلَا ضَبْطٌ وَلَا مَيْزُ مُحِقٍّ مِنْ مُبْطِلٍ وَلَا تَعْيِينُ طَالِبٍ مِنْ مَطْلُوبٍ وَلَا شَاهِدٍ مِنْ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مِنْ الْأَعْمَى. وَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيِّ أَنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ. وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ فِي شُرُوطِ الْقَضَاءِ: الْقِسْمُ الثَّانِي مَا يَقْتَضِي عَدَمُهُ الْفَسْخَ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الصِّحَّةِ وَذَلِكَ كَاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا , فَعَدَمُ بَعْضِ هَذِهِ يَقْتَضِي أَنْ يُفْسَخَ الْعَقْدَ سَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ أَضْدَادُهَا عَلَيْهِ أَوْ طَرَأَتْ بَعْدَهُ , وَيَنْفُذُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ إلَى حِينِ الْعَزْلِ , وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً حِينَ الْحُكْمِ , فَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وِلَايَةُ مَنْ فَقَدَ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ مُنْعَقِدَةٌ لَكِنْ يَجِبُ عَزْلُهُ , وَسَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ أَوْ طَرَأَتْ وَيَنْفُذُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اشْتِرَاطُ السَّمْعِ وَالْكَلَامِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهَا الْعُلَمَاءُ ابْتِدَاءً ; لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمَا الْفَهْمُ غَالِبًا , وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ إذَا طَرَأَتْ هَاتَانِ الْآفَتَانِ يَعْنِي فَقْدَ السَّمْعِ وَالْكَلَامِ بَعْدَ الْعَقْدِ هَلْ يَبْطُلُ بِهِ الْعَقْدُ وَيُعْزَلُ أَمْ لَا؟ وَيَبْعُدُ تَأَتِّي الْقَضَاءِ مَعَ اجْتِمَاعِ هَاتَيْنِ الْآفَتَيْنِ , وَقَلَّمَا يُوجَدُ أَبْكَمُ إلَّا وَهُوَ أَصَمُّ , وَأَمَّا كَوْنُهُ وَاحِدًا فَلَا يَصِحُّ تَقْدِيمُ اثْنَيْنِ عَلَى أَنْ يَقْضِيَا مَعًا فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ وَتَعَذُّرِ الِاتِّفَاقِ وَبُطْلَانِ الْأَحْكَامِ لِذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا , قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَبَعْضُ هَذِهِ الشُّرُوطِ إذَا عُدِمَتْ فِيمَنْ قُلِّدَ الْقَضَاءَ بِجَهْلٍ أَوْ غَرَضٍ فَاسِدٍ ثُمَّ صَدَرَ مِنْهُ حُكْمٌ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ وَيُرَدُّ , وَهِيَ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ الْأُوَلُ: أَعْنِي الْإِسْلَامَ وَالْبُلُوغَ وَالْعَقْلَ وَالذُّكُورِيَّةَ وَالْحُرِّيَّةَ. وَأَمَّا الْخَمْسَةُ الْأُخَرُ فَيَنْفُذُ مِنْ أَحْكَامِ مَنْ عُدِمَتْ فِيهِ مَا وَافَقَ الْحَقَّ إلَّا الْجَاهِلَ الَّذِي حَكَمَ بِرَايِهِ , وَفِي الْفَاسِقِ خِلَافٌ تَقَدَّمَ. وَشُرُوطُ الْكَمَالِ عَشْرَةٌ: خَمْسَةُ أَوْصَافٍ يَنْتَفِي عَنْهَا وَخَمْسَةٌ لَا يَنْفَكُّ مِنْهَا , فَالْأُولَى أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَحْدُودٍ وَغَيْرَ مَطْعُونٍ عَلَيْهِ فِي نَسَبِهِ بِوِلَادَةِ اللِّعَانِ أَوْ الزِّنَا فَإِنْ اسْتَقْضَى وَلَدُ الزِّنَا فَلَا يَحْكُمُ فِي الزِّنَا مِنْ الْمُقْنِعِ وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ فَقِيرٍ وَغَيْرَ أُمِّيٍّ , وَالْمَنْصُوصُ لِلْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْمَذْهَبِ إذَا كَانَ لَا يَكْتُبُ , وَقَالُوا الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ الْكَمَالِ وَفِي " الطُّرُرِ " لِأَبِي عُمَرَ بْنِ عَاتٍ فِي آخِرِ الْجُزْءِ الثَّالِثِ فِي الْكَلَامِ عَلَى شُرُوطِ الْقَضَاءِ: وَاخْتُلِفَ فِي الْأُمِّيِّ فَقِيلَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ , وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا يَلْزَمُهُ قِرَاءَةُ الْعُقُودِ وَالْمَقَالَاتِ , وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي ذَلِكَ غَيْرَهُ , وَنَسَبَهُ إلَى ابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْحِهِ لِجَامِعِ الْعُتْبِيَّةِ. وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُسْتَضْعَفٍ. وَالْخَمْسَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ فَطِنًا نَزِهًا مَهِيبًا حَلِيمًا مُسْتَشِيرًا لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالرَّايِ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ سَلِيمًا مِنْ بِطَانَةِ السُّوءِ لَا يُبَالِي فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ , وَرِعًا بَلَدِيًّا غَيْرَ زَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ ; لِأَنَّهُ إذَا وُصِفَ بِذَلِكَ كَانَ النَّاسُ مِنْهُ فِي حَذَرٍ وَهُوَ مِنْ نَفْسِهِ فِي تَعَبٍ , وَقَدْ أَطَالَ النَّاسُ فِي صِفَةِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ: وَجُمْهُورُ الْمُقَلِّدِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَا تَجِدُ عِنْدَهُمْ مِنْ آثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَبِيرَ شَيْءٍ وَإِنَّمَا مُصْحَفُهُمْ مَذْهَبُ إمَامِهِمْ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُسْتَكْبِرٍ عَنْ مَشُورَةِ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , وَرِعًا ذَكِيًّا فَطِنًا , مُتَأَنِّيًا غَيْرَ عُجُولٍ , نَزِهًا عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ , عَاقِلًا مَرْضِيَّ الْأَحْوَالِ مُوثَقًا بِاحْتِيَاطِهِ فِي نَظَرِهِ لِنَفْسِهِ فِي دِينِهِ وَفِيمَا حَمَلَ مِنْ أَمْرِ مَنْ وَلِيَ النَّظَرَ لَهُمْ , غَيْرَ مَخْدُوعٍ , وَقُورًا مَهِيبًا عَبُوسًا مِنْ غَيْرِ غَضَبٍ , مُتَوَاضِعًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ , حَاكِمًا بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ , لَا يَطَّلِعُ النَّاسُ مِنْهُ عَلَى عَوْرَةٍ وَلَا يَخْشَى فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ , وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ حَدِيثٍ لَا فِقْهَ عِنْدَهُ , أَوْ صَاحِبَ فِقْهٍ لَا حَدِيثَ عِنْدَهُ عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَالْآثَارِ وَيُوَجِّهُ الْفِقْهَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ٣٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ٣٥١