حجة لهم فيه لوجوه أحدها أن راوي هذين الخبرين جابر الجعفي وهو كذاب فسقط الاحتجاج به والثاني أنه كذب هذا الحديث الأخير بين ظاهر بما هو في الشهرة والصحة كالشمس وهو أن خلاف ابن مسعود لعمر أشهر من أن يتكلف إيراده وخلاف أبي موسى لعلي كذلك ومن جملة خلافه إياه امتناعه من بيعته ومن حضور مشاهده وليس في الخلاف أعظم من هذا وكذلك خلاف زيد لأبي في القراءات والفرائض وغير ذلك أشهر من كل مشتهر فوضح كذب جابر في روايته هذه والثالث أنه لو صح كل هذا لكان عليهم لا لهم لأن الذين كان هؤلاء المذكورون يقلدون بزعمهم هم غير الذين يقلد هؤلاء المتأخرون اليوم فلا حجة لمن قلد مالكا وأبا حنيفة والشافعي فيمن قلد عمر وعليا وأبيا بل هو حجة عليهم لأنه إن كان تقليد هؤلاء حقا فتقليد مالك والشافعي وأبي حنيفة باطل وإن كان تقليد من تقدم باطلا
234 فتقليد من تأخر أبطل فمن المحال الباطل أن يقلد ابن مسعود عمر أو غيره مع ما حدثناه المهلب عن ابن مناس عن ابن مسرور عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب قال سمعت سليمان يحدث عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول اغد عالما أو متعلما ولا تغدون إمعة قال ابن وهب فذكر لي سفيان عن أبي الزعراء عن أبي الأحوص عن ابن مسعود إنه الإمعة فيكم الذي يحقب دينه الرجال واحتجوا أيضا بالأعمى يدل على القبلة وبالراكب في السفينة يدله الملاحون على القبلة وعلى الوقت قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأنه من باب قبول الخبر لا من باب قبول الفتيا في الدين بلا دليل ولا من باب تحريم أمر كان مباحا أو إيجاب فرض لم يكن واجبا أو إسقاط فرض قد وجب وهذا الذي ذكروا ليس تقليدا وإنما هو إخبار والناس مجمعون على قبول خبر الواحد في أشياء كثيرة منها الهدية وحال إدخال الزوج على الزوجة وقبول قول المرأة الذمية والمسلمة إنها طاهر فيستباح وطؤها بعد تحريمه بالحيض وغير ذلك فقبول الأعمى لخبر المخبر له عن الوقت والقبلة إذ وقع به تصديقه أمر قد قام الدليل على صحته بل أكثر هذه الأمور توجب العلم الضروري بالجبلة وبطل أن يكون ما ذكروا تقليدا واحتج بعضهم بقول الله تعالى ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا وتخذ لله إبراهيم خليلا قال أبو محمد وهذا من القحة ما هو لأن الشيء الذي يأمر به الله ليس تقليدا ولكنه برهان ضروري والتقليد إنما هو اتباع من لم يأمرنا عز وجل باتباعه وإنما التقليد الذي نخالفهم فيه أخذ قول رجل ممن دون النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرنا ربنا باتباعه بلا دليل يصحح قوله لكن فلانا قاله فقط فهذا هو الذي يبطل ولكن من لا يتقي الله عز وجل ممن قد بهره الحق وعجز عن نصره الباطل وأراد استدامة سوقه ولا يبالي إلى ما أداه ذلك أوقع على اعتقاد الحق الذي قد ثبت برهانه اسم التقليد فسمى الانقياد لخبر الواحد تقليدا وسمى الإجماع تقليدا وسمى اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمر باتباعه من ملة إبراهيم عليه السلام تقليدا
235 فإن أرادوا منا تصحيح هذه المعاني فهي صحاح لقيام النص بوجوبها وإن أرادوا أن يتطرقوا بذلك إلى تقليد مالك والشافعي وأبي حنيفة فذلك حرام وباطل وليس في اتباع ملة إبراهيم ما يوجب اتباع مالك وأبي حنيفة والشافعي لأنهم غير إبراهيم المأمور باتباعه ولم نؤمر قط باتباع هؤلاء المذكورين وإنما هذا بمنزلة من سمى الخنزير كبشا وسمى الكبش خنزيرا فليس ذلك مما يحل الخنزير ويحرم الكبش وكذلك إنما نحرم اتباع من دون النبي صلى الله عليه وسلم بغير دليل ونوجب اتباع ما قام الدليل على وجوب اتباعه ولا نلتفت إلى من مزج الأسماء فسمى الحق تقليدا وسمى الباطل اتباعا