21 - الْعَدَالَةُ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي يَشْتَرِطُهَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ يَتَقَلَّدُ الْقَضَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ , وَهِيَ: أَنْ يَكُونَ صَادِقَ اللَّهْجَةِ , ظَاهِرَ الْأَمَانَةِ عَفِيفًا عَنْ الْمَحَارِمِ , مُتَوَقِّيًا لِلْمَآثِمِ , بَعِيدًا مِنْ الرِّيَبِ , مَامُونًا فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ , وَتَفْصِيلُ الْكَلَامِ عَنْ الْعَدَالَةِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (شَهَادَةٌ ف 22 , وَعَدْلٌ ف 1 , 16). فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ تَوْلِيَةُ فَاسِقٍ , وَلَا مَنْ فِيهِ نَقْصٌ يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ , وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فَأَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ عِنْدَ قَوْلِ الْفَاسِقِ , وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيَجِبُ التَّبَيُّنُ عِنْدَ حُكْمِهِ ; وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا فَلِئَلَّا يَكُونَ قَاضِيًا أَوْلَى. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَفِي الْفَاسِقِ خِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا هَلْ يُرَدُّ مَا حَكَمَ بِهِ وَإِنْ وَافَقَ الْحَقَّ , وَهُوَ الصَّحِيحُ , أَوْ يُمْضَى إذَا وَافَقَ الْحَقَّ؟. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْوَجْهُ تَنْفِيذُ قَضَاءِ كُلِّ مَنْ وَلَّاهُ سُلْطَانٌ ذُو شَوْكَةٍ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ فَاسِقًا ; لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ مَصَالِحُ النَّاسِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْأَصْلِ عِنْدَهُمْ إلَى أَنَّ الْفَاسِقَ يَجُوزُ تَقَلُّدُهُ الْقَضَاءَ ; لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فَيَكُونُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ , لَكِنَّهُ لَا يَنْبَغِي تَقْلِيدُهُ وَيَاثَمُ مُقَلِّدُهُ , قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَالْوَجْهُ تَنْفِيذُ قَضَاءِ كُلِّ مَنْ وَلَّاهُ سُلْطَانٌ ذُو شَوْكَةٍ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَاسِقًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَحِينَئِذٍ فَيُحْكَمُ بِفَتْوَى غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: إذَا قُلِّدَ الْفَاسِقُ ابْتِدَاءً يَصِحُّ , وَلَوْ قُلِّدَ وَهُوَ عَدْلٌ يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ , لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ اعْتَمَدَ عَدَالَتَهُ , فَلَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِتَقْلِيدِهِ دُونَهَا , وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطُ الْأَوْلَوِيَّةِ , فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَدْلًا , لَكِنْ لَوْ تَقَلَّدَ الْفَاسِقُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ.
****************
وفي كتاب الإحكام لابن حزم:
227 الباب السادس والثلاثون في إبطال التقليد
قال أبو محمد علي علي بن أحمد علي اعتقاد المرء قولا من قولين فصاعدا ممن اختلف فيه أهل التمييز المتكلمون في أفانين العلوم فإنه لا يخلو في اعتقاده ذلك من أحد وجهين إما أن يكون اعتقده ببرهان صح عنده أو يكون اعتقده بغير برهان صح عنده فإن كان اعتقده ببرهان صح عنده يخلو أيضا من أحد وجهين إما أن يكون اعتقده ببرهان حق صحيح في ذاته وإما أن يكون اعتقده بشيء يظن أنه برهان وليس ببرهان لكنه شغب وتمويه موضوع وضعا غير مستقيم وقد بينا كل برهان حق صحيح في ذاته في كتابنا الموسوم بالتقريب وبينا في كتابنا هذا أن البرهان في الديانة إنما هو نص القرآن أو نص كلام صحيح النقل مسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو نتائج مأخوذة من مقدمات صحاح من هذين الوجهين وأما القسم الثاني الذي هو شغب يظن أنه برهان وليس برهانا فمن أنواعه القياس والأخذ بالمرسل والمقطوع والبلاغ وما رواه الضعفاء والمنسوخ والمخصص وكل قضية فاسدة قدمت بالوجوه المموهة التي قد بيناها في كتاب التقريب وأما ما اعتقده المرء بغير برهان صح عنده فإنه لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون اعتقده لشيء استحسنه بهواه وفي هذا القسم يقع الرأي والاستحسان ودعوى الإلهام وإما أن يكون اعتقده لأن بعض من دون النبي صلى الله عليه وسلم قال وهذا هو التقليد وهو مأخوذ من قلدت فلانا الأمر أي جعلته كالقلادة في عنقه وقد استحى قوم من أهل التقليد من فعلهم فيه وهم يقرون ببطلان المعنى الذي يقع عليه هذا الاسم فقالوا نقلد بل نتبع قال أبو محمد ولم يتخلصوا بهذا التمويه من قبيح فعلهم لأن الحرم إنما هو المعنى فليسموه بأي اسم شاؤوا فإنهم ما داموا آخذين بالقول لأن فلانا قاله دون النبي صلى الله عليه وسلم فهم عاصون لله تعالى لأنهم اتبعوا من لم يأمرهم الله تعالى باتباعه