اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فَيُعَدَّلُ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مَا ارْتَكَبَهُ مِنْ تِلْكَ الصَّغَائِرِ وَإِنْ لَمْ تَغْلِبْ طَاعَاتُهُ فَغَيْرُ عَدْلٍ لِأَنَّ غَلَبَةَ الْمَعَاصِي حِينَئِذٍ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ ارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ فَزَالَتْ بِهِ الْعَدَالَةُ وَأَمَّا إذَا ارْتَكَبَ كَبِيرَةً فَإِنَّهُ يَصِيرُ فَاسِقًا وَإِنْ غَلَبَتْ طَاعَاتُهُ عَلَى مَعَاصِيه لِأَنَّ ارْتِكَابَ الْكَبِيرَةِ مُزِيلٌ لِلْعَدَالَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى غَلَبَةِ طَاعَاتِهِ أَوْ عَدَمِهِ وَأَمَّا اسْتِدْلَاله بِمَا ذَكَره فِي الْأَمْرِ الثَّالِثِ وَبِكَلَامِ شَرْحِ مُسْلِمٍ فَغَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا لِمَا مَرَّ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ فِيهِ تَعَارُضُ مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ وَإِنَّمَا فِيهِ تَعَارُضُ مَصْلَحَتَيْنِ - وَلَا مُرَجِّحَ فَلَا يُعْمَلُ بِالشَّهَادَةِ وَتَرَكْنَا الْأَشْيَاءَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ بَقَاءِ الْحُقُوقِ فِي أَيْدِي أَرْبَابِهَا وَعَمِلْنَا بِالْأَصْلِ الثَّابِتِ فِي ذَلِكَ وَبَرَاءَةِ الذِّمَمِ وَنَحْوِهَا , وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وفي الموسوعة الفقهية:
مَا يَصْنَعُ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي فِي الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ:
27 - يَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا. وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِتَقْلِيدِ غَيْرِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فَخَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ , أَمْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ , وَسَوَاءٌ أَضَاقَ الْوَقْتُ أَمْ لَمْ يَضِقْ. وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُفْتِي الْفُتْيَا بِالتَّقْلِيدِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إنْ تَعَذَّرَ هَذَا الشَّرْطُ فَوَلَّى سُلْطَانٌ أَوْ مَنْ لَهُ شَوْكَةٌ مُقَلِّدًا نَفَذَ قَضَاؤُهُ لِلضَّرُورَةِ. وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازُ كَوْنِ الْقَاضِي مُقَلِّدًا. وَالِاجْتِهَادُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ شَرْطُ أَوْلَوِيَّةٍ فَقَطْ. فَعَلَى قَوْلِ مَنْ اشْتَرَطَ الِاجْتِهَادَ , فَإِنَّ الْقَاضِيَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ حَسَبَ أُصُولِ الِاجْتِهَادِ. وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ كَوْنَ الْقَاضِي مُقَلِّدًا , ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يَحْكُمُ الْمُقَلِّدُ بِقَوْلِ مُقَلِّدِهِ أَيْ بِالرَّاجِحِ مِنْ مَذْهَبِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ قَوْلَهُ - يَعْنِي إمَامَ الْمَذْهَبِ - أَمْ قَوْلَ أَصْحَابِهِ , لَا بِالضَّعِيفِ , وَلَا بِقَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَذَاهِبِ , وَإِلَّا نُقِضَ حُكْمُهُ , إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلضَّعِيفِ مُدْرَكٌ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ , وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي. وَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَعْمَلَ بِالضَّعِيفِ لِأَمْرٍ اقْتَضَى ذَلِكَ عِنْدَهُ. وَقِيلَ: بَلْ يُقَلِّدُ قَوْلَ الْغَيْرِ إذَا كَانَ رَاجِحًا فِي مَذْهَبِ ذَلِكَ الْغَيْرِ , قَالَ الصَّاوِيُّ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِجَوَازِ التَّقْلِيدِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَهُمْ فِي الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ تَفْصِيلٌ: فَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: يَحْكُمُ الْقَاضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ , فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِمَا وَرَدَ عَنْ الصَّحَابَةِ , فَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُمْ يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ. فَيُرَجِّحُ قَوْلَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِاجْتِهَادِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ , وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُمْ جَمِيعًا. وَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ , وَخَالَفَهُمْ وَاحِدٌ مِنْ التَّابِعِينَ لَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ إلَّا إنْ كَانَ مِمَّنْ أَدْرَكَ عَهْدَهُمْ وَزَاحَمَهُمْ فِي الْفُتْيَا كَشُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ. فَإِنْ لَمْ يَاتِ عَنْ الصَّحَابَةِ شَيْءٌ فَبِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ. فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ خِلَافٌ رَجَحَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَقَضَى بِهِ. فَإِنْ لَمْ يَجِئْ عَنْهُمْ شَيْءٌ اجْتَهَدَ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ. وَإِذَا اخْتَلَفَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ , قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: يَاخُذُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ التَّابِعِينَ. وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ يَخْتَارُ وَاحِدًا مِنْ ذَلِكَ. وَلَوْ أَنَّ قَاضِيًا اُسْتُفْتِيَ فِي حَادِثَةٍ وَأَفْتَى , وَرَايُهُ بِخِلَافِ رَايِ الْمُفْتِي , فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِرَايِ نَفْسِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الرَّايِ. فَإِنْ تَرَكَ رَايَهُ وَقَضَى بِرَايِ الْمُفْتِي لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ لِمُصَادَفَتِهِ فَصْلًا مُجْتَهَدًا فِيهِ. أَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَإِنْ عَرَفَ أَقَاوِيلَ الْأَصْحَابِ , وَحَفِظَهَا عَلَى الْإِحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ , عَمِلَ بِقَوْلِ مَنْ يَعْتَقِدُ قَوْلَهُ حَقًّا عَلَى التَّقْلِيدِ.
حُكْمُ تَقْلِيدِ الْفَاسِقِ: