وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ فِعْلِ الْمَصْلَحَةِ وَتَرْكِ الْمَفْسَدَةِ بُدِئَ بِالْأَهَمِّ وَقَالَ فِي بَابِ الْخَدِيعَةِ مِنْ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَاحْتِمَالُ الْمَفْسَدَةِ الْيَسِيرَةِ لِدَفْعِ أَعْظَمَ مِنْهَا أَوْ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ أَعْظَمَ مِنْهَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ إلَّا بِذَلِكَ ا هـ. وَجَوَابُ الثَّانِي فَمَا الرَّاجِحُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ مِنْ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ أَوَّلُهُمَا وَهُوَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ عِنْد الْحَاكِمِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا سَوَاءٌ أَكَانَتْ الْعُدُول فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ قَلِيلِينَ أَوْ كَثِيرِينَ لِمَا ذَكَره الْمُجِيبُ الْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ نَظَرٌ يُعْرَف لِلْمُتَأَمِّلِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَشْهَدَ الْفَاسِقُ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا إلَخْ فَإِنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا وَهُوَ أَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ فِسْقُهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَتَارَةً يَكُونُ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَفِي الْحَالَةِ الْأُولَى يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ بِالْحَقِّ وَإِنْ خَفِيَ فِسْقُهُ كَذَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ لَكِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَحْرِيمِ الْأَدَاءِ مَعَ الْفِسْقِ الْخَفِيِّ نَظَرٌ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ بِحَقِّ وَإِعَانَةٌ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا إثْمَ عَلَى الْقَاضِي إذَا لَمْ يُقَصِّرْ بَلْ يَتَّجِهُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ فِي الْأَدَاءِ إنْقَاذُ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ بُضْعٍ قَالَ وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِسْقِ الظَّاهِرِ بِأَنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ بِالْخَفِيِّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَبِالظَّاهِرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَصَرَّحَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فِيهِمَا مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ بِعَدَمِ التَّحْرِيمِ وَقَالَ إنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَنَقَلَ أَعْنِي الْأَذْرَعِيَّ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مَا يُوَافِقهُ وَهُوَ قَوْلُهُ لَوْ شَهِدَ أَبُو الْوَلَدِ لِوَلَدِهِ أَوْ الْعَدُوُّ عَلَى عَدُوِّهِ أَوْ الْفَاسِقُ بِمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ الْحَقِّ وَالْحَاكِمُ لَا يَشْعُرُ بِمَانِعِ الشَّهَادَةِ فَالْمُخْتَارُ جَوَازُهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا الْحَاكِمَ عَلَى بَاطِلٍ بَلْ عَلَى إيصَالِ حَقٍّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْخَصْمِ وَلَا عَلَى الشَّاهِدِ وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَا إذَا لَمْ يُجْمَع عَلَى فِسْقِهِ كَشَارِبِ النَّبِيذِ يَلْزَمهُ الْأَدَاءُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْقَاضِي يَرَى التَّفْسِيقَ وَرَدَّ الشَّهَادَةَ بِهِ أَمْ لَا فَقَدْ يَتَغَيَّرُ اجْتِهَادُهُ وَيَرَى قَبُولَهَا وَقَضِيَّةُ الْعِلَّةِ عَدَمُ اللُّزُومِ إذَا كَانَ الْقَاضِي مُقَلِّدًا لِمَنْ يَرَى التَّفْسِيقَ بِذَلِكَ كَالشَّافِعِيِّ رضي الله تعالى عنه فِي صُورَةِ النَّبِيذِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَ مُقَلَّدِهِ لِأَنَّ اعْتِبَارَ مِثْلِ ذَلِكَ بَعِيدٌ نَادِرٌ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ مِنْ نَقْضِ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِينَ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ كَالْأَصْحَابِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ نَقَضَ خَطَأَهُ فَكَانَ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ بَانَ النَّصُّ بِخِلَافِهِ وَقَوْلُهُ الْأَمْرُ الثَّانِي لِأَنَّ الْإِمَامَ نَجْمَ الدِّينِ ابْنَ الرِّفْعَةِ إلَخْ عَجِيبٌ مِنْهُ نَقْلُ هَذَا وَأَمْثَالِهِ الْكَثِيرَةِ فِي كَلَامِهِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَعَ أَنَّهُ الْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ فِي كُتُبِ سَائِرِ الْأَصْحَابِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ بَلْ وَقَعَ لَهُ رَدُّ رِوَايَةِ الْمَجْهُولِ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ وَالْأَذْرَعِيِّ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَة ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْ ذَلِكَ بِبَلْ إلَى بَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَفِي هَذَا مِنْ التَّهَافُتِ فِي الْوَضْعِ مَا لَا يَخْفَى وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُجِيبُ الثَّانِي فَكَلَامٌ وَاهٍ سَاقِطٌ ضَعِيفٌ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ إمَّا بَاطِلٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ وَاسْتِدْلَالُهُ عَلَيْهِ بِصِحَّةِ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ لِلْفَاسِقِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَقَدْ نَقَلَ مُحَقِّقُو الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ رحمه الله تعالى مَا يُفْهِمُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاعْتَمَدُوهُ حَيْثُ قَالُوا لَوْ تَعَذَّرَ جَمِيعُ شُرُوطِ الْقَضَاءِ فَوَلَّى الْإِمَامُ فَاسِقًا أَوْ مُقَلِّدًا جَازَ لِلضَّرُورَةِ وَسَكَتُوا عَنْ نَظِيرِهِ فِي الشَّهَادَةِ وَهُوَ مَا لَوْ رَتَّبَ الْإِمَامُ شُهُودًا فِيهِمْ جَارِحُ الْفِسْقِ أَوْ غَيْرِهِ وَفِي قَوَاعِدِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَوْ فَاتَتْ الْعَدَالَةُ فِي شُهُودِ الْحَاكِمِ فَهَذَا فِيهِ وَقْفَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَصْلَحَةِ الْمُدَّعِي مُعَارِضَةٌ لِمَصْلَحَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالذِّمَمِ وَالْأَبْدَانِ وَالظَّاهِرُ مِمَّا فِي الْأَيْدِي أَنَّهُ لِأَرْبَابِهَا وَلَا يَلْحَقُ بِتَنْفِيذِ وِلَايَةِ فَاقِدِ الْأَهْلِيَّةِ لِعَدَمِ الْمُعَارِضَةِ الْمَذْكُورَةِ. ا هـ. فَتَأَمَّلْ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ مِنْ الْفَرْقِ تَجِدهُ رَدًّا فِيمَا ذَكَره الْمُجِيبُ الثَّانِي وَقَوْلُهُ إنَّ الشَّافِعِيَّ رضي الله تعالى عنه اعْتَبَرَ الْأَغْلَبَ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى تَسَاهُلِهِ فِي الِاسْتِدْلَالِ وَعَدَمِ إتْقَانِهِ بِمَا يَسْتَدِلُّ بِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّا لَا نَنْظُرُ إلَى غَلَبَةِ الطَّاعَاتِ أَوْ الْمَعَاصِي أَوْ اسْتِوَائِهِمَا إلَّا إذَا لَمْ تُوجَدْ كَبِيرَةٌ بِأَنْ وُجِدَتْ صَغَائِرُ أَوْ صَغِيرَةٌ وَدَاوَمَ عَلَيْهَا فَإِنْ غَلَبَتْ طَاعَاتُهُ أَوْ
الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ٣٣٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ٣٣٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي