يَسَعُك أَنْ تُطْلِقَ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا بَاطِلَةٌ إلَّا مَعَ إرَادَتِك أَوْ تَصْرِيحِك بِأَنَّ بُطْلَانَهَا إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِاعْتِقَادِ مُقَلَّدِك فَمُقَلِّدُوهُ لَوْ فَعَلُوهَا كَانُوا آتِينَ بِصَلَاةٍ بَاطِلَةٍ فَيُعَامَلُونَ بِأَحْكَامِهَا مِنْ نَحْوِ الْفِسْقِ وَالتَّعْزِيرِ وَغَيْرِهِمَا وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِاعْتِقَادِ غَيْرِهِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ فَمُقَلِّدُوهُ آتُونَ بِصَلَاةٍ صَحِيحَةٍ فِي الثَّوَابِ وَالْعَدَالَةِ وَغَيْرِهِمَا فَاخْتِلَافُ الْأَحْكَامِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ الَّتِي لَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ فِيهَا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ بَلْ يَجِبُ رِعَايَةُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ وَلَا بِدْعَ فِي كَوْنِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُ بِاعْتِبَارِ مَحَالِّهِ وَجِهَاتِهِ وَإِضَافَاتِهِ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلِاعْتِقَادَاتِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَذَلِكَ غَيْبٌ عَنَّا لَا يَنْكَشِفُ لَنَا إلَّا فِي الْآخِرَةِ. إذْ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَتَبِعُوهُ أَنَّ مَنْ صَلَّى صَلَاةً بَاطِلَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَصَحِيحَةً فِي اعْتِقَادِهِ لَا يُثَابُ إلَّا عَلَى نَحْوِ أَذْكَارِهَا مِمَّا لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى الصَّلَاةِ كَقَصْدِهِ لَهَا وَسَعْيِهِ فِي حُصُولِهَا وَأَمَّا عَلَى الصَّلَاةِ نَفْسِهَا فَلَا يُثَابُ نَعَمْ إنْ قُلْنَا كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهَا مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَفِي كَلَامِ الْبَغَوِيِّ شَيْءٌ ذَكَرْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ فَرَاجِعْهُ وَالْمَسْأَلَةُ تَحْتَمِلُ بَسْطًا طَوِيلًا لَكِنْ ضَاقَ الْمَحَلُّ عَنْ اسْتِيفَائِهِ , وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ تَقْلِيدِ الْعَامِّيِّ لِأَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ بَعْدَ تَقَرُّرِ مَذَاهِبِهِمْ وَاشْتِهَارِهَا بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الْجَوَازِ مَاذَا يَلْزَمُ الْمُقَلِّدَ لِذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ وَمَا حُكْمُ عِبَادَتِهِ عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ الِاجْتِهَادِ هَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ صِحَّةِ عِبَادَتِهِ هَلْ يَكُونُ عَاصِيًا فِي ذَلِكَ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْر أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِجَوَازِ التَّقْلِيدِ لِغَيْرِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُوَافِقَ اجْتِهَادُهُ أَحَدَ الْأَئِمَّةِ حَتَّى يَكُونَ التَّقْلِيدُ لَهُ كَأَنَّهُ تَقْلِيدٌ لِأَحَدِهِمْ أَمْ لَا وَهَلْ يُشْتَرَطُ نَقْلُ مَذْهَبِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ مُتَوَاتِرًا أَمْ لَا وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُدَوَّنًا أَمْ يَكْفِي نَقْلُهُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ وَأَيْضًا ظَاهِرُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ جَوَازُ التَّقْلِيدِ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ شَيْءٍ سِوَى اعْتِقَادِ الْمُقَلِّدِ كَوْنَ مَذْهَبِ مُقَلَّدِهِ رَاجِحًا أَوْ مُسَاوِيًا فَهَلْ الْبِنَاءُ عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ كَافٍ فِي الْحُكْمِ بِجَوَازِ تَقْلِيدِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ أَمْ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِهِ بَيِّنُوا ذَلِكَ.
(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي تَحَرَّرَ أَنَّ تَقْلِيدَ غَيْرِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ رضي الله تعالى عنهم لَا يَجُوزُ فِي الْإِفْتَاءِ وَلَا فِي الْقَضَاءِ وَأَمَّا فِي عَمَلِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ فَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ لِغَيْرِ الْأَرْبَعَةِ مِمَّنْ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ لَا كَالشِّيعَةِ وَبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهُ بِمَذْهَبِ الْمُقَلَّدِ بِنَقْلِ الْعَدْلِ عَنْ مِثْلِهِ وَتَفَاصِيلِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَوْ الْمَسَائِلِ الْمُقَلِّدِ فِيهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا عَلَى مَذْهَبِ ذَلِكَ الْمُقَلَّدِ وَعَدَمِ التَّلْفِيقِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا أَوْ إلَى بَعْضِهَا تَقْلِيدَ غَيْرِ ذَلِكَ الْإِمَامِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ تَلْفِيقَ التَّقْلِيدِ كَتَقْلِيدِ مَالِكٍ رحمه الله تعالى فِي عَدَمِ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالشَّافِعِيِّ رضي الله تبارك وتعالى عنه فِي مَسْحِ بَعْضِ الرَّاسِ فَمُمْتَنِعٌ اتِّفَاقًا بَلْ قِيلَ إجْمَاعًا وَإِذَا وُجِدَتْ شُرُوطُ التَّقْلِيدِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَغَيْرُهَا مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ فِي مَحَلِّهِ فَعِبَادَاتُ الْمُقَلِّدِ وَمُعَامَلَتُهُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى ذَلِكَ صَحِيحَةٌ وَإِلَّا فَلَا وَيَاثَمُ بِذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فَوْرًا وَلَا يُشْتَرَطُ مُوَافَقَةُ اجْتِهَادِ ذَلِكَ الْمُقَلِّدِ لِأَحَدِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا نَقْلُ مَذْهَبِهِ تَوَاتُرًا كَمَا أَشَرْتُ إلَيْهِ وَلَا تَدْوِينُ مَذْهَبِهِ عَلَى اسْتِقْلَالِهِ بَلْ يَكْفِي أَخْذُهُ مِنْ كُتُبِ الْمُخَالِفِينَ الْمَوْثُوقِ بِهَا الْمُعَوَّلِ عَلَيْهَا وَكَلَامُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَا يُخَالِفُهُ , وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(سُئِلَ) رحمه الله تعالى عَنْ مَسْأَلَةٍ وَقَعَ فِيهَا جَوَابَانِ مُخْتَلِفَانِ صُورَتُهُمَا بِلَادٌ لَيْسَ فِيهَا سُلْطَانٌ وَلَا قَاضٍ وَفِيهَا قَبَائِلُ لَيْسَ فِيهَا مِنْ الْعُدُولِ إلَّا الْقَلِيلُ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى مَنْ يُرِيد الْحُكْمَ بَيِّنَهُمْ أَنْ يَبْحَث عَنْ حَالِ الشُّهُودِ مِنْ عَدَالَةٍ وَفِسْقٍ أَمْ يَكْتَفِي بِظَاهِرِ الْحَالِ وَيَقْبَلُ مِنْهَا الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ. أَجَابَ الْأَوَّلُ فَقَالَ