يَجْتَهِدَ وَيَقِيسَ وَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى وَلَوْ أَفْتَى بِهِ لَا يَجُوزُ وَكَانَ الْقَفَّالُ يَقُولُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَ يَحْكِي مَذْهَبَ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ لَهُ أَيْ الْمُسْتَفْتِي كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ تَقْلِيدَ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ وَقَوْلُهُ وَلِهَذَا كَانَ أَحْيَانًا يَقُولُ لَوْ اجْتَهَدْت فَأَدَّى اجْتِهَادِي إلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَأَقُولُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَا وَلَكِنِّي أَقُولُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ جَاءَ لِيَعْلَمَ وَيَسْتَفْتِيَ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رضي الله تعالى عنهما فَلَا بُدَّ أَنْ أُعَرِّفَهُ بِأَنِّي أُفْتِي بِغَيْرِهِ. قَالَ الْجُوَيْنِيُّ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَاخْتَارَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إسْحَاقَ خِلَافَهُ وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ رحمه الله تعالى يَدُلُّ عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِمَعَانِيهِ فَيَكُونَ حَاكِيًا مَذْهَبَ الْغَيْرِ وَالْغَيْرُ مَيِّتٌ لَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا وَأَخْبَرَهُ عَنْهُ بِفَتْوَاهُ أَوْ مَذْهَبِهِ فِي زَمَانٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَهُ وَيَقْبَلَهُ كَمَا أَنَّ اجْتِهَادَ الْمُفْتِي يَتَغَيَّرُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِعَامِّيٍّ أَنْ يَعْمَلَ بِفَتْوَى مُفْتٍ لِعَامِّيٍّ مِثْلِهِ فَإِنْ قُلْت أَلَيْسَ خِلَافُهُ لَا يَمُوتُ بِمَوْتِهِ فَدَلَّ عَلَى بَقَاءِ مَذْهَبِهِ قُلْنَا كَمَا زَعَمْتُمْ لَكِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمْ يُقَلِّدْهُ إنَّمَا يُقَلِّدُ قَوْلَ هَذَا الرَّجُلِ الْأَمْرُ فِيهِ كَيْتَ وَكَيْتَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِ مَا قَالَهُ أَيْ الْقَفَّالُ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ فَتْوَاهُ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ مَعْنَاهُ لَجَازَ لِلْعَامِّيِّ الَّذِي جَمَعَ فَتَاوَى الْمُفْتِينَ أَنْ يُفْتِيَ وَيَلْزَمَهُ مِثْلُهُ وَلَجَازَ أَنْ يَقُولَ هُوَ مُقَلِّدٌ صَاحِبَ الْمَقَالَةِ وَلَكِنْ اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِهِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ هَذَا أَمَّا إذَا أَفْتَى بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَبَحِّرًا فِيهِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا قَالَ وَكَانَ ابْنُ سُرَيْجٍ يُفْتِي أَحْيَانًا بِمَذْهَبِ مَالِكٍ رحمه الله تعالى وَكَانُوا يَاتُونَهُ بِمَسَائِلَ يَسْأَلُونَهُ تَخْرِيجَهَا عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ رحمه الله تعالى فَيُخَرِّجُهَا عَلَى أَصْلِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَجُوزُ لَهُ وَإِلَّا فَيَمْتَنِعُ وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ كَانَ فِي مَذْهَبِ نَفْسِهِ لَا يَعْرِفُ إلَّا يَسِيرًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ ا هـ. وَإِذَا تَأَمَّلْت فِي هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْجُوَيْنِيُّ وَشَنَّعَ بِهِ عَلَى الْقَفَّالِ وَأَطَالَ فِيهِ عَلِمْت أَنَّهُمَا لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ كَلَامَ الْقَفَّالِ فِيمَنْ يَرْوِي لِمُسْتَفْتِيهِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله تعالى أَنَّ مَذْهَبَهُ كَذَا لَا مِنْ حَيْثُ اسْتِنْبَاطُهُ هُوَ وَلَا مِنْ حَيْثُ فَهْمُهُ لَهُ مِنْ كَلَامِهِ وَإِنَّمَا هُوَ نَاقِلُهُ عَنْ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ الْعَارِفِينَ وَالْمُتَبَحِّرِينَ فِيهِ وَإِذَا حُمِلَ كَلَامُ الْقَفَّالِ عَلَى هَذَا لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا قَالَهُ الْجُوَيْنِيُّ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِيمَنْ يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِ إمَامِهِ اسْتِنْبَاطًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَبَحُّرِهِ فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبِ كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُفْتِيَ فِي مَذْهَبِهِ كَذَلِكَ وَكَلَامُ الْجُوَيْنِيِّ وَحِكَايَتُهُ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ مَا صَرَّحَ بِهِ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته فَتَدَبَّرْهُ. فَإِنَّ هَذَا الْمَقَامَ قَدْ يُشْكِلُ وَيُظَنُّ أَنَّ الْقَفَّالَ وَالْجُوَيْنِيَّ تَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَمَا بَيَّنْته وَحَقَّقْته ثُمَّ رَأَيْت لِبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ مَا يُصَرِّحُ بِمَا ذَكَرْته وَهُوَ قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِحِكَايَةِ قَوْلِ غَيْرِهِ إلَّا إذَا سُئِلَ عَنْ حِكَايَةِ قَوْلِ غَيْرِهِ لَا مُطْلَقًا وَإِلَّا لَجَازَ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ. ا هـ. فَقَوْلُهُ إلَّا إلَخْ مُصَرِّحٌ بِمَا ذَكَرْته وَقَوْلُهُ وَإِلَّا إلَخْ مَحَلُّهُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ مَا إذَا كَانَ يُفْتِي بِمَا فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ لَا مَعَ بَيَانِهِ بَلْ عَلَى صُورَةِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ وَعَلَى مَا تَقَرَّرَ يُحْمَلُ أَيْضًا قَوْلُ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ الْمُوَافِقُ لِمَا مَرَّ عَنْ الْجُوَيْنِيِّ لَا يَجُوزُ لِلْعَالِمِ أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِ بَعْضِ السَّلَفِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ عِلَّتَهُ خِلَافًا لِأَصْحَابِ الرَّايِ ثُمَّ قَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ حَتَّى تَوَهَّمَ بَعْضُ الْمُتَفَقِّهَةِ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ مَا تَوَهَّمَهُ حَقٌّ إنْ أُرِيدَ أَنَّا نَعْتَقِدُ خَطَأَهُ وَبُطْلَانَ صَلَاتِهِ مِنْ سَائِرِ الْوُجُوهِ. وَلَا قَائِلَ بِهَذَا لِأَنَّا إنْ قُلْنَا إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَوَاضِحٌ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْمُصِيبَ لِلْحَقِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّه تَعَالَى وَفِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَاحِدٌ مُبْهَمٌ فَكَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُكَلَّفُوا إصَابَةَ ذَلِكَ إلَّا بِحَسَبِ ظُنُونِهِمْ فَحَسْبُ وَكُلٌّ مِنْهُمْ مُصِيبٌ لَهُ بِحَسَبِ ظَنِّهِ فَهُوَ عَلَى هُدًى مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ. وَإِنْ فُرِضَ خَطَؤُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْخَطَإِ الْمَرْفُوعِ بَلْ مَعَ ذَلِكَ هُوَ مُثَابٌ مَاجُورٌ لَكِنْ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَقَصْدِهِ الْحَقَّ فَقَطْ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَإِنْ سُئِلْتَ عَنْ صَلَاةِ مُخَالِفٍ فِيهَا مُبْطِلٌ يَرَاهُ مُقَلَّدُك دُونَ مُقَلَّدِهِ فَلَا
الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ٣٢٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ٣٢٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي