إمَامُهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَمَّا ظَنُّهُ لِذَلِكَ أَوْ الْقَطْعُ بِهِ فَلَا وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْ الْعَامِّيِّ حَقِيقَةُ ظَنِّ ذَلِكَ أَوْ الْقَطْعُ بِهِ وَهِيَ أَعْنِي تِلْكَ الْحَقِيقَةَ إنَّمَا تَنْشَأُ عَنْ النَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ عَلَى وَجْهِهِ وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا لِلْمُجْتَهِدِ وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُقَلِّدِ فَبِهَذَا عُرِفَ أَنَّ مَنْ عَبَّرَ بِالظَّنِّ أَوْ الْقَطْعِ فِيمَا مَرَّ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ إلَّا الصُّورَةَ دُونَ الْحَقِيقَةِ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِهَا لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَمَا قَبْلَهُ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا دَقِيقٌ غَامِضٌ ثُمَّ رَأَيْت مُحَقِّقَ الْحَنَفِيَّةِ الْكَمَالَ بْنَ الْهُمَامِ صَرَّحَ بِمَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته فِي كَلَامِ النَّسَفِيِّ مِنْهُمْ حَيْثُ قَالَ إنَّ أَخْذَ الْعَامِّيِّ بِمَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ أَصْوَبُ أَوْلَى. وَعَلَى هَذَا إذَا اسْتَفْتَى مُجْتَهِدَيْنِ فَاخْتَلَفَا عَلَيْهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَاخُذَ بِمَا يَمِيلُ إلَيْهِ قَلْبُهُ مِنْهُمَا وَعِنْدِي أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِقَوْلِ الَّذِي لَا يَمِيلُ إلَيْهِ جَازَ لِأَنَّ مَيْلَهُ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ مُجْتَهِدٍ وَقَدْ فَعَلَ. ا هـ. وَقَدْ تَوَسَّعَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِيمَا مَرَّ مِنْ مَنْعِ التَّقْلِيدِ فِيمَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِهِ فَقَالَ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي تَصْحِيحِ الدَّوْرِ فِي الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ وَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي لِمُخَالَفَتِهِ لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ. ا هـ. وَمَا عَلَّلَ بِهِ مَمْنُوعٌ بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ يَشْهَدُ لِتَصْحِيحِ الدَّوْرِ بَلْ لَيْسَ عَلَى بُطْلَانِهِ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ إلَّا مَا فِيهِ مِنْ سَدِّ بَابِ الطَّلَاقِ الْمَعْلُومِ مِنْ الظَّوَاهِرِ عَدَمُ قَبُولِهِ لِلسَّدِّ وَهَذَا وَحْدَهُ غَيْرُ كَافٍ فِي مَنْعِ التَّقْلِيدِ. وَجَوَازِ النَّقْضِ فَالْوَجْهُ مَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِيهِ وَإِنَّهُ لَا عِقَابَ عَلَى مَنْ قَلَّدَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْفُرُوعَ الِاجْتِهَادِيَّةَ لَا عِقَابَ فِيهَا أَيْ لِمَنْ قَلَّدَ فِيهَا لَا مُطْلَقًا خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ وَقَوْلُ ابْنِ الصَّبَّاغِ إنَّ تَصْحِيحَهُ خَطَأٌ لَيْسَ مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ لَا يَقْتَضِي مَنْعَ تَقْلِيدِهِ لِأَنَّهُ شَخْصٌ مِنْ الْأَصْحَابِ تَفَرَّدَ بِمَقَالَةٍ بِاعْتِبَارِ مَا عِنْدَهُ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَقُولُ بِصِحَّتِهِ لَا سِيَّمَا وَهُمْ الْأَكْثَرُونَ عَلَى مَا فِيهِ مِمَّا بَيَّنْته فِي كِتَابِي الْأَدِلَّةُ الْمَرْضِيَّةُ عَلَى بُطْلَانِ الدَّوْرِ فِي الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ وَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَهَلْ يَسُوغُ لِلْمُفْتِي إلَخْ جَوَابُهُ نَعَمْ يَسُوغُ لَهُ الْإِفْتَاءُ بِمَذْهَبِهِ وَخِلَافِ مَذْهَبِهِ إذَا عَرَفَ مَا يُفْتِي بِهِ عَلَى وَجْهِهِ وَأَضَافَهُ إلَى الْإِمَامِ الْقَائِلِ بِهِ لِأَنَّ الْإِفْتَاءَ فِي الْعُصُرِ الْمُتَأَخِّرَةِ إنَّمَا سَبِيلُهُ النَّقْلُ. وَالرِّوَايَةُ لِانْقِطَاعِ الِاجْتِهَادِ بِسَائِرِ مَرَاتِبِهِ مِنْ مُنْذُ أَزْمِنَةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ سَبِيلَ الْمُفْتِينَ الْيَوْمَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَنْقُلَ الْحُكْمَ عَنْ إمَامِهِ أَوْ غَيْرِهِ بَلْ لَوْ فُرِضَ أَنَّ شَخْصًا لَهُ قُوَّةُ اجْتِهَادِ الْفَتْوَى فِي مَذْهَبِهِ وَغَيْرِهِ جَازَ لَهُ الْإِفْتَاءُ بِمَا تَقْتَضِيه قَوَاعِدُ الْمَذْهَبَيْنِ لَكِنْ مَعَ بَيَانِ ذَلِكَ وَنِسْبَةِ كُلِّ رَايٍ إلَى الْإِمَامِ الْقَائِلِ بِهِ وَهَذَا هُوَ مَلْحَظُ مَا وَقَعَ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي عَلَى مَذْهَبَيْنِ كَالْعَارِفِ الْإِمَامِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلِيِّ رحمه الله تعالى كَانَ يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رضي الله تعالى عنهما وَكَابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ قِيلَ كَانَ يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ رضي الله تعالى عنهما. فَإِنْ قُلْت لِمَ لَا نَقُولُ بِتَفْصِيلِ السُّبْكِيّ فِي ذَلِكَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ لِلْمُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ إمَامٍ إذَا أَفْتَى بِكَوْنِ الشَّيْءِ وَاجِبًا أَوْ مُبَاحًا أَوْ حَرَامًا عَلَى مَذْهَبِهِ حَيْثُ يَجُوزُ لَلْمُقَلِّدِ الْإِفْتَاءُ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ وَيُفْتِيَ بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَحْضُ تَشَبُّهٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ مَصْلَحَةً دِينِيَّةً فَيَعُودَ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. وَنَقُولُ بِجَوَازِهِ كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ أَفْتَى وَلَدَهُ فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ بِمَذْهَبِ اللَّيْثِ وَالْخَلَاصُ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ وَقَالَ إنْ عُدْت لَمْ أُفْتِك إلَّا بِقَوْلِ مَالِكٍ يَعْنِي بِالْوَفَاءِ عَلَى أَنَّا حَمَلْنَا قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّخْيِيرَ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا إذَا رَآهُ مَصْلَحَةً وَالْمُقَلِّدُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَرَ التَّخْيِيرَ إذَا قَصَدَ مَصْلَحَةً دِينِيَّةً وَأَمَّا بِالتَّشَهِّي فَلَا. ا هـ. قُلْت كَلَامُهُ رحمه الله تعالى فِي غَيْرِ مَا قَرَّرْنَاهُ لِأَنَّهُ فِي مُنْتَقِلٍ إلَى مَذْهَبٍ غَيْرِ مَذْهَبِهِ لِيَعْتَقِدَهُ وَيُفْتِيَ بِهِ بِدَلِيلِ فَرْضِهِ لِكَلَامِهِ فِيمَنْ أَفْتَى بِحِلِّ شَيْءٍ مَثَلًا تَقْلِيدًا لِإِمَامٍ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ قَالَ بِحُرْمَتِهِ وَيُفْتِيَ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي. وَأَمَّا مَا قَرَّرْنَاهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ بَلْ فِي مُلْتَزِمٍ بِالنِّسْبَةِ لِعِلْمِهِ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا ثُمَّ أَفْتَى غَيْرَهُ
الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ٣٢٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ٣٢٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي