تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لِمُخَالِفِهِ نَقْضُهُ وَلَا التَّعَرُّضُ لِمَا يُخَالِفُهُ. وَإِنْ قَالُوا: لَا يَتَنَاوَلُهُ أَوْ ذَكَرُوا: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مَنْقُولَةً عِنْدَهُمْ رَجَعْنَا إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ , وَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا مِمَّا دَخَلَ وَقْتُهُ عِنْدَ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ بِالْمُوجَبِ , فَتَكُونَ مِنْ حَيِّزِ الْقِسْمِ الْمُتَّفِقِ عَلَى شُمُولِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ لَهُ , وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ بِاسْتِحْقَاقِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لِغَلَّةِ الْوَقْفِ , وَعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ لِمَا لَيْسَ مِنْ غَلَّتِهِ. وَحِينَئِذٍ فَحُكْمُهُ بِمُوجَبِ وَقْفِ الْمَاءِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْم بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لِضَمَانِ الْمَاءِ عَلَى مَنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَلَوْ تَعَدِّيًا ; لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَحْكَامِ الْمَاءِ الَّذِي حُكِمَ بِمُوجَبِ وَقْفِهِ , فَهُوَ مِنْ آثَارِهِ الْحَاضِرَةِ وَقْتَ الْحُكْمِ , فَعَلَيْهِ لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِضَمَانِ الْمَاءِ ; لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ الْمُتَضَمِّنَ لِعَدَمِ ضَمَانِهِ , وَسَيَاتِي فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ مَا يُرَجِّحُ هَذَا الِاحْتِمَالَ , وَهُوَ قَوْلُهُ: وَمُوجَبُ الْوَقْفِ صَيْرُورَةُ ذَلِكَ وَقْفًا وَاسْتِحْقَاقُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مَنَافِعَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ لَهُ ا هـ. وَبَيَانُهُ أَنَّ مِنْ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ لَهُ اسْتِحْقَاقَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بَدَلَ الْمَاءِ الْمَوْقُوفِ تَارَةً , وَعَدَمَ بَدَلِهِ أُخْرَى , فَالْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ حُكْمٌ بِتِلْكَ الْأَحْكَامِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا اسْتِحْقَاقُ بَدَلِ الْمَاءِ وَعَدَمِهِ , وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْمَبْحَثِ أَصْلًا ; لِأَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ لَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِضَمَانِ الْمَاءِ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ ; لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ تَفَارِيعِ الْوَقْفِ حَتَّى يَشْمَلَهُ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ , وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ تَفَارِيعِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ , وَحِينَئِذٍ فَحُكْمُ الشَّافِعِيِّ بِضَمَانِ الْمَاءِ لَا يُنَاقِضُ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ , وَقَدْ أَفْتَيْتُ سَابِقًا فِيمَنْ وَقَفَ دَارًا عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِ وَهَكَذَا , وَحَكَمَ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ وَصِحَّتِهِ وَلُزُومِهِ حَنَفِيٌّ , فَأَجَّرَهُ وَلَدُهُ مِائَةَ سَنَةٍ , وَحَكَمَ لَهُ بِذَلِكَ شَافِعِيٌّ , فَهَلْ يَنْفُذُ حُكْمُ الشَّافِعِيِّ أَمْ لَا؟ لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا يَرَاهُ الْحَنَفِيُّ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ بِجَمِيعِ الْآثَارِ الَّتِي يَرَاهَا الْحَاكِمُ , قَالَ أَبُو زُرْعَةَ مُخَالِفًا لِشَيْخِهِ الْإِمَامِ الْبُلْقِينِيُّ: بِشَرْطِ أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ الْحُكْمِ بِهَا , إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ مُتَضَمِّنٌ لِحُكْمِهِ بِامْتِنَاعِ إجَارَتِهِ مُدَّةً لَا يُجِيزُهَا الْحَنَفِيُّ ; لِأَنَّ هَذَا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ حُكْمِهِ وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُهُ أَيْ: فَهُوَ كَمَنْعِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ السَّابِقِ , فَصَارَ كَأَنَّهُ وَجَّهَ حُكْمَهُ إلَيْهِ , وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِيهِ نَقْضًا لِحُكْمِ الْحَنَفِيِّ انْتَهَى الْمَقْصُودُ مِنْهُ , وَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِمَا ذَكَرْتُهُ هُنَا مِنْ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ , وَهُوَ أَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِ وَقْفِ الْمَاءِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ بِعَدَمِ ضَمَانِهِ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا جَعْلُ السَّيِّدِ السَّمْهُودِيِّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ إذَا حَكَمَ بِمُوجَبِ إجَارَةٍ كَانَ مِنْ آثَارِهِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ وَقْتَهَا الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ وَقْفِ الْمَنَافِعِ , فَتَأَمَّلْ جَعْلَهُ هَذَا مِنْ آثَارِ الْحُكْمِ بِمُوجَبِ تِلْكَ الْإِجَارَةِ , فَعُلِمَ أَنَّ عَدَمَ ضَمَانِ الْمَاءِ مِنْ آثَارِ الْحُكْمِ بِوَقْفِ الْمَاءِ , إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ وَقْفَ الْمَنَافِعِ وَقَعَ عَلَى الْمَنَافِعِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الْحُكْمُ بِالْإِجَارَةِ , فَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ , بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا. وَلِلسُّبْكِيِّ رحمه الله تعالى كَلَامٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ , بَعْضُهُ يَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ وَبَعْضُهُ يَشْهَدُ لِلثَّانِي , وَحَاصِلُ عِبَارَتِهِ: أَنَّ لِلْأَوَّلِ شُرُوطًا تَرْجِعُ لِلْمُتَصَرِّفِ وَالْمُتَصَرَّفِ فِيهِ وَكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ , فَإِذَا ثَبَتَ حُكْمٌ بِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ وَبِالْمُوجَبِ الَّذِي هُوَ نَتِيجَةُ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ , فَإِنْ فُقِدَ بَعْضُ تِلْكَ الشُّرُوطِ حَكَمْنَا بِفَسَادِهِ , وَإِنْ تَرَدَّدَ فِيهَا فَمَا رَجَعَ لِلصِّيغَةِ أَوْ حَالِ التَّصَرُّفِ فَوَاضِحٌ , وَمَا رَجَعَ لِلْمُتَصَرِّفِ فَمَا كَانَ مِنْ الشُّرُوطِ الْوُجُودِيَّةِ كَالْمِلْكِ اُشْتُرِطَ ثُبُوتُهُ لِلْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ , بِخِلَافِ الشُّرُوطِ الْعَدَمِيَّةِ كَكَوْنِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ لَمْ يُشْتَرَطْ ثُبُوتُهُ , وَاشْتُرِطَ ثُبُوتُ نَحْوِ الْمِلْكِ ; لِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا ظَاهِرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ , فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ مِلْكٌ وَلَا عَدَمُهُ وَثَبَتَ مَا سِوَاهُ لَمْ يُحْكَمْ فِيهِ بِالصِّحَّةِ , وَلَكِنَّ التَّصَرُّفَ صَالِحٌ وَسَبَبٌ لِتَرَتُّبِ أَثَرِهِ عَلَيْهِ فِي الْمَمْلُوكِ , وَيَكُونُ عَلَى وَجْهٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ , وَقَدْ يَكُونُ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِمُوجَبِ

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ٣٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ٣٢٠