والدكتور عبد الكريم الخطيب عندما تعرض لموقف عبد القاهر من قضية الاعجاز فقال عنه : (ان عبد القاهر لم يتحدث عن الاعجاز حديثا مباشراً ، وانما جعل وجه الاعجاز عنده يقوم على الذوق الوجداني) .وقال ايضاً : (ولو لم يكن لعبد القاهر فضل هنا الا انه دفع عن البلاغة هذا المفهوم الخاطيء الذي كان يذهب مذاهب الجدل اللفظي البعيد عن الذوق الجمالي والجائر على حظ العاطفة والوجدان منها ـ لو لم يكن له الا هذا لكان ذلك فضلاً كبير يعرف له ، ويحمد من أجله (41) ونستطيع ان نستنبط من هذه الاقوال : ان عبد القاهر كان له رأي في مسألة الاعجاز التأثيري .وقد حاولت البحث فيما تحدث به عن هذا الوجه فوجدته عندما حاول التدليل على عجز العرب أمام القرآن ، وذلك من خلال أقوالهم ، وذكر أمثلة ثلاثة ، هي :
أ ـ حديث الوليد بن المغيرة . وذكر فيه قوله عن القرآن : (والله ان لقوله لحلاوة ، وان أصله لعذق ، وان فرعه لجناة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً الا عرف انه باطل) .
ب ـ حديث عتبة بن ربيعة : وذكر فيه قوله عن القرآن ايضاً : (اني قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ، ولا بالسحر ، ولا بالكهانة ...) .
ج ـ حديث اسلام أبي ذر وأخيه أنيس ، وقوله عن القرآن كلاما قريباً من هذا (42) .
وهذه الامثلة الثلاثة التي ساقها الجرجاني يدلل بها على حال العرب العاجزة امام القرآن لتدل على انه يرى الاعجاز التأثيري من أهم وجوه الاعجاز القرآني . وذلك من وجهين .
1- ان كل من تحدث عن اعجاز القرآن من السابقين له أو اللاحقين عليه وأشار الى هذا الوجه اشارة واضحة ـ كالخطابي ـ مثلاً ، او غير واضحة ـ كالباقلاني (43) ـ الا واستشهد بها ، لدلالتها على مدى أثر القرآن في نفس من سمعه او قرأه .