ويظهر لي والله أعلم: أنه إنما ذكره معلقاً بصيغة الجزم في حال ثبوت رواية ذكر البول، وأنه يرى صحة ذلك على سبيل اللزوم من جهة المعنى، وأما من جهة الرواية فقصرها وعلقها، وهذا شبيه بقول الإمام مسلم في حديث أبي هريرة في ولوغ الكلب، قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه)، فقوله: (فليرقه) هذه اللفظة غير محفوظة كما تقدم، ولكنها لازمة لغسل الإناء، لأنك لا يمكن أن تغسل الإناء إلا وقد أرقت الماء، كذلك أيضاً فإنك في حال دخول الكلاب إذا كان ذلك عادةً لها فلا بد أن يقع منها ما يقع من وجود رشاش البول ولو كان يسيراً. وأمثال هذه الألفاظ المختلف فيها في بعض الروايات لا تعل أصل الخبر، وذلك كما تقدم: أن الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعض الصحابة إذا كان اللفظ المتغير ليس بمقصود من إيراد الخبر وذكر تارةً ولم يذكر أخرى، أو قدم فيه وأخر، فإن هذا لا يعل به الخبر بخلاف اللفظ المقصود من إيراد الخبر، وهنا ذكر إقبال الكلاب وإدبارها ولا يلزم من ذلك ذكر التفاصيل أنها كانت تجلس أو تقوم أو تبول أو لا، وإنما ذكر الإقبال والإدبار ولازم ذلك شيئاً كثيراً، لأن ثمة مسائل يذكرها السلف في هذا كمسألة مس الجسد أو مس الأرض أو الثياب ونحو ذلك هل يغتسل منها، وهل جسد الكلب طاهر أم ليس بطاهر، وكذلك بوله؟ وهذه كلها لازمة لدخول الكلاب في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك أيضاً في قوله: (ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك)، إشارة إلى العفو في أمر التراب، بخلاف الحصير والفرش، فبول الكلاب عليها لا يغتفر في هذا، وذلك أن الأمر مقيد بالتراب لا يتعداه.
حديث: (من اكتحل فليوتر ... )