وليس هذا فحسب فقد ألغى القرآن ابتداءً أنواعاً من الطاعات، يقول تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (1) وقَالَ تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (2) وقَالَ: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ (3) وقَالَ: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ - سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ - كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (4).
فإن واقع هؤلاء يتناقض ابتداءً مع الإطار العام للطاعة، ولهذا تكون طاعة هؤلاء طاعة للهوى أو استجابة لحكم العقل الذي يتأثر بالواقع وبالبيئة وتتغير تبعاً لذلك تقديراته وأحكامه.
ولو حاولنا الفهم في هذا الإلغاء لوجدنا الحق والحكمة فيما أمر به الشَّرْع، يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ - وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (5) ويقول تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (6) ويقول: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ - الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (7) وقَالَ: ﴿وَقَالَ وا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ (8).
وعليه «فإن الطاعة المطلقة إنما تكون لله ورسوله فقط، قَالَ العزّ بن عبد السلام في قواعد الأحكام مبيناً سبب تفرد الله تعالى بالطاعة المطلقة: «وتفرد الإله بالطاعة لاختصاصه بنعم الإنشاء والإبقاء والتغذية والإصلاح الديني والدنيوي، فما من خير إلا جالبه، و ما من خير إلا هو سالبه ... وكذلك لا حكم إلا له» (9).
(1) الفرقان / 52.
(2) الأحزاب / 48.
(3) القلم / 10.
(4) العلق / 17 - 19.
(5) المؤمنون / 33 - 34.
(6) الزخرف / 54.
(7) الشعراء / 151 - 152.
(8) الأحزاب / 67.
(9) ابن عبد السلام، العز: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، (2/ 158).