هذا المنهج من التربية أتى أكله في منع الناس من اقتراف أي محظور، بتأثير قوي تعجز كل القوانين الوضعية عن مثله.
وبعد أن يسلك الإسلام طريق التربية لوجدان الأفراد، يقوم بسد أي ذريعة لاقتراف المنكرات ولذلك كان العقاب شديداً.
وقلّما تجد بعد هذه التدابير الناجحة مسلماً يقدم على جريمة توجب حداً أو قصاصاً، والتاريخ ينبئك بهذا فقد روى ابن سعد في الطبقات الكبرى «أن عمر بن الخطَّاب قد ولّى القضاء في ولاية أبي بكر فقَالَ: لقد كان يأتي عليّ الشهر ما يختصم إليَّ فيه اثنان» (1) (2).
وقد شرع الله العقاب لمنع الناس من ارتكاب المحظور وحملهم فعل المأمور حيث إن الأمر بفعل شيء والنهي عن فعل شيء لا يكفي في تنفيذه، فالعقاب هو الذي يحمل على التنفيذ ويجعل للأمر والنهي معنى مفهوماً ونتيجة حقيقية وهو الذي يزجر ويردع الناس عن المعاصي ويقضي على الفساد في الأرض.
قَالَ الماوردي (3): «والحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر به لما في الطبع من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة، فجعل الله تعالى من زواجر الحدود ما يردع الجهالة حذراً من ألم العقوبة وخيفة من نكال الفضيحة ليكون ما حظر من محارمه ممنوعاً وما أمر به من فروضه متبوعاً فنكون المصلحة أعم والتكليف أتم» (4).
وقَالَ ابن تَيْمِيَّة: «من رحمة الله سبحانه وتعالى أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض في النفوس والأبدان والأعراض والأموال والقتل والجراح والقذف والسَّرِقَة، فأحكم سبحانه وتعالى وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الأحكام وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر مع عدم المجاورة لما يستحقه الجاني من الردع (5).
(1) ابن مسعود، الواقدي: الطبقات الكبرى (3/ 184).
(2) الفرّاء، أبو يعلي: الأحكام السلطانية، ص (406 - 408).
(3) هو علي بن محمد بن حبيب أبو الحسن الماوردي، من أقضى القضاة في عصره ومن العلماء أصحاب التصنيف النافعة، ولد في البصرة عام 364 للهجرة وانتقل إلى بغداد وتوفي عام 450 للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء (18/ 64)، الأعلام (4/ 327).
(4) الماوردي: الأحكام السلطانية، ص (275 - 276).
(5) ابن تَيْمِيَّة: السِّيَاسِيَّة الشَّرْعية، ص (98).
وانظر: ... - العز بن عبد السلام: قواعد الأحكام (1/ 163 - 165).
- ابن قَيِّم الجَوْزِيَّة: أعلام الموقعين (2/ 95 - 107) وما بعدها.