تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مما لا شكّ فيه أن الجريمة ليست أصلاً في فطرة الإنسان ولا هي مكتسبة يكتسبها الإنسان، كما أنها ليست مرضاً يصاب به الإنسان، وإنما هي مخالفة النِّظَام الذي ينظم أفعال الإنسان.

فكل إنسان له غرائز وحاجات عضوية تتطلب الإشباع، وقد تتطلب الإشباع بما يخل بمصلحة الجماعة التي يعيش فيها، فكان لا بدّ من نظام يحافظ على الجماعة ويحافظ في الوقت نفسه على الأفراد باعتبارهم أجزاء في هذه الجماعة وهذا النِّظَام لا بدّ أن يتضمن تحديداً للجرائم التي يرتكبها الأفراد حين يخالفون النِّظَام وأن يضع عقوبة على كل جريمة، فكان لا بدّ من قياس دقيق تقاس به الجرائم لوضع العقوبات المناسبة لها. إذ المعلوم أن الجرائم تتفاوت من حيث فظاعتها، فالجريمة الأفظع تستحق العقوبة الأشد، وكلما كانت الجريمة أقل فظاعة كانت عقوبتها أخف.

فلا بد من مقياس تقاس به الجرائم ليكون حجم العقوبة وكمية ألمها مناسبين لحجم الجريمة وكمية فظاعتها، فهل يملك الإنسان مثل هذا المقياس.

ومن الأمور البديهية أن عقل الإنسان عرضة للتفاوت والاختلاف والتناقض والتأثر بالبيئة التي يعيش فيها، فقد يرى إنسان أن هذه الجريمة أفظع من تلك وقد يرى غيره عكسه وواقع العقل كما سبق لنا بيانه أنه إحساس وواقع ودماغ ومعلومات سابقة، فالإحساس جزء جوهري من مقومات العقل، فإذا لم يحس الإنسان بالشيء لا يمكن لعقله أن يصدر حكماً عليه، لأن العقل مقيد حكمه على الأشياء بكونها محسوسة ومن المحال عليه إصدار حكم على غير المحسوسات وبما أن فظاعة الجريمة ليست من الأمور التي تقع عليها الحواس، فمن المحال على العقل أن يصدر في أيّة جريمة حكماً صَحِيْحاً.

ولا يجوز أن يترك تحديد الجرائم والعقوبات لميول الإنسان الفطريّة لأن هذه الميول تصدر الحكم بالمدح على ما يوافقها وبالذم على ما يخالفها، وقد يكون ما يخالفها بما يمدح، كقتال الأعداء وقول الحق في حالات تحقق الأذى البليغ، وقد يكون ما يوافقها مما يذم كالزنا والرياء، فالميول والأهواء مقياس خاطئ قطعاً يجعل العقوبة حسب الهوى والشهوات لا حسب ما يجب أن تكون عليه، ويجعل الجريمة ما يخالف أهواء المشرع وليس ما واقعه أنه جريمة.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٤٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٤٩٨