أ- درء الحدود بالشبهات:
وأصل هذه القاعدة ما ورد في السنّة من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» (1).
«وهذا الحديث وإن كان موقوفاً، فله حكم المرفوع ولأن الحدّ عقوبة كاملة، فتستدعي جناية كاملة ووجود الشبهة ينفي تكامل الجناية» (2).
وعن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً» (3). وعن عائشة قَالَت: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً، فخلوا سبيله» (4).
فالحدّ، عقوبة من العقوبات التي توقع ضرراً في جسد الجاني وسمعته، ولا يحل استباحة أحد، أو إيلامه إلا بالحق، ولا يثبت هذا الحق إلاّ بالدليل الذي لا يتطرق إليه ارتياب، فإذا تطرق إليه الشكّ كان ذلك مانعاً من اليقين الذي تُبنى عليه الأحكام، ومن أجل هذا كانت التهم والشكوك لا عبرة لها ولا اعتداد بها لأنها مظنة الخطأ.
قَالَ ابن المنذر (5): «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنّ الحدود تدرأ بالشبهات، فلو زنى بجارية له فيها شرك، وإن قلّ، أو لولده، لم يُحدّ، لقوله عليه السلام: «أنت ومالك لأبيك» (6)، وكذلك لو وطئ في نكاحٍ مختلف فيه أو مكره، أو سرق من مالٍ له فيه حق، أو لولده، وإن سفل من مال غريمه الذي يعجز عن تخليصه منه، بقدرِ حقه لم يُحدّ» (7)
(1) قَالَ صاحب كشف الخفاء: أخرجه ابن عدي ومسدد موقوفاً على ابن مسعود، أنه قَالَ: ادرؤوا الحدود عن عباد الله عزّ وجلّ. ورواه البَيْهَقِيّ عن عاصم بلفظ: «ادرؤوا الحدود بالشبهات، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم». وقَالَ أنه أصحّ ما فيه.
(2) الزحيلي، وهبة: الفقه الإسلامي وأدلته، (6/ 30).
(3) أخرجه ابن ماجة عن أبي هريرة وهو حديث صَحِيْح، (2/ 850) رقم 2545، ومصنف ابن أبي شيبة (5/ 511).
(4) المستدرك على الصَحِيْحين، (4/ 426)، وقَالَ هذا حديث صَحِيْح ولم يخرجاه. سُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى (8/ 238)، (9/ 123) وسُنَن الدَّارَقُطْنِيّ (3/ 84). مصنف ابن أبي شيبة (5/ 512) مصنف عبد الرزاق (10/ 166)، وعلل التِّرْمِذِي للقاضي، (1/ 228).
(5) ابن المنذر، هو محمد بن إبراهيم، أحد الأئمة الأعلام، الشَّافِعِي، نزيل مكة، توفي فيها سنة (319 هجرية). انظر: شَذَرات الذَّهَب، (2/ 280)، وطبقات الشَّافِعِية، لابن هداية الله، ص (59).
(6) رواه ابن ماجة (2291)، (2292). من حديث جابر، و أبو داود (3530). والحاكم بالمستدرك (4/ 384).
(7) المقدسي، بهاء الدين عبد الرحمن: العدّة شرح العمدة، ص (487).