تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذه الآية تبين أن العدل المطلق الكامل بين النساء غير مستطاع بمقتضى طبيعة البشر، لأن العدل الكامل يقتضي المساواة بينهنّ في كل شيء حتى ميل القلب، وشهوة الجنس، وهذا ليس في يد الإنسان، فلا بدّ من العدل الذي يدخل في طوق البشر أن يقوموا به.

ولما عقب الله تعالى بقوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ (1) على قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾ (2) دلّ على أن عدم الاستطاعة في المحبة كما يفهم استطاعة العدل في غير المحبة فيكون قد خصص العدل المطلوب في غير المحبة واستثنيت من العدل المحبة والجماع، لهذا كان يقول النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: «اللّهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (3) يعني قلبه. وروى عن عبد الله بن عَبَّاس في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ (4) قَالَ في الحب والجماع (5)، وقد أمر الله اجتناب كل الميل «ومعنى ذلك أنه أباح الميل، لأن مفهوم النهي عن كل الميل إباحة الميل كالنهي عن كل البسط في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (6) معناه إباحة البسط، وعليه فقد أباح الله للزوج الميل لبعض نسائه دون البعض ولكنه نهاه أن يكون هذا الميل شاملاً كل شيء، بل يكون ميلاً فيما هو منطبق عليه الميل وهو المحبة والاشتهاء» (7).

وأما الميل كل الميل، كمن يجعل المرأة كالمُعلقة التي ليست ذات زوج ولا مطلقة فهذا محذور، وقد روى عن أبي هريرة عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قَالَ: «من كانت له امرأتان يميل لأحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطاً أو مائلاً» (8).

وقَالَ: «من كانت له امرأتان فمال إلى أحدهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» (9).

(1) النساء / 129.

(2) النساء / 129.

(3) الحديث سبق تخريجه في الفصل الأول، ص ().

(4) النساء / 129.

(5) سُنَن البهقي الكبرى (7/ 298)، ومصنف ابن أبي شيبه (3/ 519).

(6) الإسراء / 29.

(7) النَّبَهَانِيّ: النِّظَام الاجتماعي في الإسلام، ص (130).

(8) صَحِيْح ابن حِبِّان (10/ 7)، وسُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى (7/ 397)، والمنتقى لابن الجارود (1/ 180)، وموارد الظمآن للهيثمي (1/ 317).

(9) رواه أبو داوود اللفظ له (2/ 142) والتِّرْمِذِي (1141) والنسائي (7/ 63) وابن ماجه (1969) والدَّارِمِيّ (2/ 193) وأحمد (2/ 347)، (2/ 471) وصَحِيْح الجامع (6515) جميعهم عن أبي هريرة.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٤٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٤٠٥