تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكسب إن شاء فعل واقترن بالفعل الذي هو مخلوق لله تعالى، وإن شاء ترك وبذلك يكون الثواب ويكون العقاب، وحينئذٍ لا يتنافى مع كون الله خالقاً لأفعال العباد مع اختيارهم (1).

ومؤدى الأمر: أن المعتزلة قرروا أن خلق الفعل بقدرة أودعها الله في العبد، والأشاعرة قرروا أن لا قدرة للعبد في الفعل ولكن له الكسب والكسب لا يكون إلا بالاقتران لا بتأثير من العبد، والماتريدي قرر أن الكسب بقدرة العبد وبتأثيره وهذه القدرة لا يكون بها التأثير في الكسب ويظهر أثرها عند وجود الفعل هي الاستطاعة التي هي مناط التكليف عند أبي حنيفة وتبعه فيها الماتريدي، وتكون عند الفعل لأنها القدرة المتجددة الحادثة فلا يلزم أن تكون قبل الفعل، والمعتزلة قرروا أن الاستطاعة تكون قبل الفعل لأن التكليف والخطاب به يكون قبل الفعل لا بعده.

من خلال ما سبق، يظهر أن قضية الجبر والاختيار جعلها المتكلمون قضية تتعلق بعلاقة الإنسان بالذات الإلهية وبالحدود الفاصلة بين فعل الخلق وفعل الخالق، وبالجزاء والثواب والعقاب، فرأى المعتزلة المسمّون بأحد الأصول الخمسة التي اجتمعوا عليها وأجمعوا على الإيمان بها تمييزاً لمدرستهم وتيارهم الفِكْري عن غيره من التيارات وهو أهل العدل والتوحيد، يرون أن القول بجبرية الإنسان نفياً للعدل عن الذات الإلهية، ونسبة الجور لأن في حساب الإنسان ومثوبته وعقابه على أعمال هو مجبر على إتيانها جوراً لا محالة، إذ فيه تكليف الإنسان ما لا يُطيق فعله أو لا يستطيع الفكاك من إتيانه.

يقول مانكديم (2): «إن النبوات والشرائع داخلان في العدل لأنه كلام في أنه تعالى، إذا علم أن صلاحنا في بعثة الرسل، وأن نتعبد بالشَّرِيعَة، وجب أن يبعث ونتعبد ومن العدل أن لا يخل بما هو واجب عليه.

وكذلك يدخل الوعد والوعيد في العدل، لأنه كلام في أنه تعالى إذا وعد المطيعين بالثواب، وتوعد العصاة بالعقاب، فلا بد من أن يفعل ولا يخلف في وعده ولا في وعيده ومن

(1) أنظر المراجع السابقة حول هذه المسألة.

(2) هو مانكديم أحمد بن أحمد بن الحسين بن أبي هاشم الحسيني ششديو، أحد أئمة الزيدية، خرج بالري سنة (411 هـ) وتوفي بها سنة (420 هـ) وهو أحد تلاميذ القاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي، كما أنه أحد من جمع شرح الأصول الخمسة للقاضي وعلق عليها.

أنظر: عمارة، د. محمد: رسائل العدل والتوحيد (لخمسة أئمة)، ص (78).

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ١٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ١٢١