الفصل الثالث سنة اللّه في الأرض
«1» كما سبق و أن أشرنا إلى قصة سورة الروم «2» تبين السبق القرآني في موضوع معركة حدثت بين الفرقتين، و هو قوله تعالى في سورة الروم الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) . لكن السنة النبوية ممثلة بالحديث الشريف فصلت ما كان و سيكون من أمرهم. فالروم لا يقتصر معناهم على رومان العصر القديم بل سيمتد تأثيرهم في الأرض و سيكونون مناطحين للمسلمين حتى قيام الساعة، و أما الفرس فسينحسر تأثيرهم و يدخلون الإسلام و يصبحون في صفه. و أما كلمة العجم فهي الأخرى لا تقتصر على الفرس كما يعتقد خطأ عند العامة بل يتعداه لكل ما هو غير عربي، و كما بينا في تعليقنا على معنى العجم في حديث المصطفى صلى اللّه عليه و سلم حول حصار العراق و الشام.
و لو تدبرنا الآية الكريمة نجد أنها تنتهي بقوله جل و علا لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ ... ، أي أن تقلب أحوال الأمم عند اللّه تعالى، و ليس كما يقيسه البشر قبل وقوع الحدث أو وقته أو خلاله أو بعده. الأمر الذي يؤكد ما سبق و أن أشرناه في كلامنا في فصل الاستثناء العام و الخاص.
لقد سنّ اللّه تعالى للبشرية سننا و نواميس و قوانين، منها أن قيادة الحضارة و المجتمعات البشرية تكون لأمة أو جماعة تملك من مقومات تشكل القيادة الحضارية كالمقومات المادية أو الروحية أو الاثنين معا و كما ذكرنا في البداية. فتشكل تلك الأمة حضارة لتفعل و تسن القوانين التي تكون شخصيتها فإن كانت توافق أوامر اللّه
تعالى في
(1) لتفاصيل أكثر حول هذا الموضوع أحيل أخي القارئ الكريم لكتابنا (القوانين القرآنية للحضارات) ، و كذلك كتاب الأستاذ الفاضل الدكتور سفر الحوالي (يوم الغضب، هل بدأ بانتفاضة رجب) .
(2) تجد في الكتاب الأول من سلسلتنا (ومضات إعجازية من القرآن و السنة النبوية) ، كتاب التاريخ و الآثار، ما يفصل لك قصة هذه السورة.