قال القاضي عياض: يشبه أن يكون قول مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ- أنَّ السُّنَّة وردت في الشَّراب خاصَّة، وإنَّما يقدَّم الأيمن فالأيمن في غيره بالقياس، لا بسنَّة منصوصة فيه، وكيف كان فالعلماء متَّفقون على استحباب التَّيامن في الشَّراب وأشباهه، وفيه: جواز شرب اللَّبن المشوب.
وفيه: أنَّ من سبق إلى موضع مباح، أو مجلس العالم والكبير، فهو أحقُّ به ممَّن يجيء بعده، واللهُ أعلم.
قوله: (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ، وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ، وَمَاتَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ، وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحْثُثْنَنِي عَلَىَ خِدْمَتِهِ) المراد بأُمَّهَاتِهِ: أمَّه: أمُّ سليم، وخالته أمُّ حرام، وغيرهما من محارمه، فاستعمل لفظ الأمَّهات في حقيقته ومجازه، وهذا على مذهب الشَّافعيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- والقاضي أبي بكر الباقلاني، وغيرهما ممَّن يجوِّز إطلاق اللَّفظ الواحد على حقيقته ومجازه.
وقوله: (كُنَّ أُمَّهَاتِي) على لغة (أكلوني البراغيث) وهي لغة صحيحة، وإن كانت قليلة الاستعمال، وقد تقدَّم إيضاحها عند قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "يَتَعَاقَبُوْنَ فِيْكُمْ مَلاَئِكَةٌ" ونظائره، واللهُ أعلم.
قوله: (فَحَلَبْنَا لَهُ مِنْ شَاةٍ دَاجِنٍ) هي بكسر الجيم، وهي الَّتي تعلف في البيوت، يقال: دجنت تدجن دجوناً، ويطلق الدَّاجن أيضاً على كلِّ ما يألف البيت من طير وغيره.
وقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (الأَيْمَنُ فَالأَيْمَنُ) ضبط بالنَّصب والرَّفع، وهما صحيحان، النَّصب على تقدير: أعطى الأيمن، والرَّفع على تقدير: الأيمن أحقُّ، أو نحو ذلك.
وفي الرِّواية الأخرى: (الأَيْمَنُونَ) وهو يرجِّح الرَّفع.