وهذا المسيو بوافييه أسقف مدينة مان قد استحسن في كتابة المسمى (بالنظامات الإلهية) عادة الاسترقاق، وصرح بأن الرقيق تجارة محللة، ولم يجسر أحد من علماء الدين أن يثير على كلامه غبار الاعتراض، وكذلك لم نجد من دافع عن العبيد أو ذب عن حقوقهم، حينما كان ملوكنا في القرن الثامن عشر يشترعون وجوب حرمان العبيد من التمتع بالمزايا والامتيازات التي يتنعم البيض في بحبوحتها.
وليس - على ما أظن - لكنيستنا دخل في إبطال الرق بأملاكنا الفرنساوية أو بالأملاك الأخرى التابعة للدول المختلفة، بل الفضل كل الفضل للثورة الفرنساوية التي جعلت المساواة من ضمن مبادئها وخصصت لها سطرا في قائمة مشروعها الإنساني.
أما المنهاج الذي اتبعه في شريعته النبي العربي محمد بن عبد الله
صلى الله عليه وسلم
مما يختص بالرقيق، فكان مناقضا لمشروع الكنيسة على خط مستقيم، وذلك لأنه في العصر الذي بعثه الله فيه برسالته إلى الخلق كان يصعب عليه التعرض لأمر حلا في أذواق الشرقيين عموما، ومالوا إليه كل الميل، فبقي مستمرا مقبولا، ولكن كم من آية في القرآن الشريف أوصت بحسن معاملة الأرقاء وحضت على عتقهم، وأمرت السادة أن يعلموهم ويرقوا أذهانهم ويدلوهم على ما به سعادتهم في المستقبل، وأن يعتبروهم كأعضاء من عائلاتهم.
ومسألة العتق - كما لا يخفى - مما حتمه الدين الإسلامي على كل من تملك عبدا من العبيد، بحيث إن من يخالف ذلك يكون قد عرض نفسه للعقاب في الدار الآخرة، ولا يحتاج العتق في الشريعة الإسلامية إلى أصول معقدة وعقود مشكلة كما هو الشأن في القانون الروماني، بل يكفي في وقوعه صدور لفظ دال عليه من فم المالك ولو على سبيل المزاح.
ولقد جاءت طريقة إبطال الرق الآن موافقة كل الموافقة للشريعة الإسلامية، ولذلك رضيها وعضدها الملوك والأمراء المسلمون؛ مثل سلطان زنجبار والخليفة الأعظم أمير المؤمنين وغيرهما، لأنها لم تخرج عما أمرت به الديانة الإسلامية، فأي ذي ملكة وعقل يعضد لافيجري في مزاعمه التي قام بنشرها بعد أن علم أن الدين الإسلامي غايته من الرق إنقاذ العبيد من حضيض التوحش إلى ذروة التمدن!
ولهذا نكرر القول بأن المنهج الذي سار عليه في دعوته هذه يجلب الأخطار العظمى على البلاد الفرنساوية، لأننا - كما لا يخفى - شديدو الارتباط مع أربعة ملايين من المسلمين في بلاد الجزائر فقط، فضلا عن البلاد الأخرى، فلو نهضنا الآن لإثارة الدين النصراني على الدين الإسلامي لهيجنا خواطر المسلمين وغرسنا في قلوبهم بذور الحقد والضغينة علينا، وعرضنا أنفسنا للمكائد التي تكبدنا في السابق تأثيراتها السيئة.
يستنتج من جميع ما تقدم أنه لا يجمل بنا أن ندع أرباب الدين وقسس الملة المسيحية يتداخلون في أمور سياسية لا تعنيهم، وليس لها أدنى ارتباط بواجباتهم الدينية التي حقها أن لا تتجاوز جدران الكنيسة وزواياها، ولا أن نتركهم يرتبكون مع أقوام نسعى نحن في تحسين علاقاتنا معهم، وهم يبذلون الجهد في تكدير صفوها متذرعين بالنصرة للدين، وتكدير صفو العلاقات بيننا وبينهم في الحالة الحاضرة مما يعود علينا بالضرر.
هذا، وليتحقق القراء الكرام من أن جميع ما نسب للديانة الإسلامية من التهم والفظائع التي تنفر من سماعها الطباع وتأباها الأفكار السليمة، ليس لها خيال من الصحة أو ظل من الحقيقة، بل كلها أكاذيب وأباطيل يدحضها التاريخ.
ولم يكن الرق بالحالة التي هيجت أهل أوربا وأشعلت جذوة غضبهم وسخطهم إلا في البلاد السودانية التابعة للأمم النصرانية، أما في البلاد المستنيرة بنور القرآن الشريف، فهو أقل شدة وأقرب إلى المبادئ الإنسانية، فإذا أردنا - والحق يقال - أن نسعى في ملاشاته بالكلية، فالاستعانة بالوسائل الدينية لا تجدي نفعا.