كل هذه أمور يجمل ذكرها ويحسن إيرادها ...
ثم لو أمعنا النظر في حالة زنجي قد حصل في القاهرة على عيشة راضية لحق علينا أن نتساءل كم من زنوج غيره قاسوا الأهوال وتجرعوا كأس الحمام أثناء سيرهم في هذه الطريق التي توصلهم إلى مصر.
وقد وجد من الخصيان من سعد حظهم وتوفرت لهم أسباب الثروة والهناء؛ مثل خليل أغا الذي ذكرته في كتابك، وقد كان قوي السلطان مسموع الكلمة لدى والدة الخديوي السابق، حتى حصل له ما حصل؛ إذ دس له السم في القهوة تخلصا من شره وعتوه، ولكن كم من الفتيان قد هلكوا حتى توصل النخاسون على خصي واحد مثل خليل أغا هذا.
وإنا لنعترف بأنه شتان بين الاسترقاق في الإسلام وبينه في المستعمرات بأمريكا ... إلخ.
الملحق الخامس
وجاء في الجريدة المذكورة بتاريخ 13 ربيع الآخر سنة 1309 (25 نوفمبر سنة 1891) نمرة 55 ما نصه:
الرق في الإسلام
قرأنا في جريدة الريبو بليكان أورليانيز الفرنساوية الصادرة في أول أغسطس سنة 91 مقالة ضافية الذيل خصصها محررها للمدافعة عن الدين الإسلامي، وعن نسبته إلى هضم الحقوق الإنسانية بسبب حكمه على الرقيق، وقد أردنا ترجمتها ليطلع عليها قراء جريدتنا الكرام، قالت: «يحسن بنا أولا أن نسأل قراءنا الكرام أن يسمحوا لنا بأداء واجب الدفاع والذب عن الديانة الإسلامية المحمدية فيما يختص بالرق؛ كبحا لجماح الوساوس والأوهام التي علقت بأفكار أتباع بعض الفرق الدينية النصرانية، فإن مصلحة فرنسا السياسية من حيث هذا الموضوع متوقفة على رفض مزاعم الكردينال لافيجرى التي أخذ يبثها في كل ناحية وصقع، والتحرس من نفثات المرسلين الإنكليزيين.
وليس بخاف على أحد أن إنكلترة لم تسع في إلغاء الرقيق ولم تظهر نفسها في مظهر العدو الألد لهذه العادة الممقوتة إلا بسبب قلة اليد العاملة في مستعمراتها، وأن الكنيسة الكاثوليكية لما تحركت عواطفها الدينية بعامل التشيع والتعصب، جعلت مطمح أنظارها ومرمى نواياها إلغاء الاسترقاق من قارة أفريقيا، وكان لها من دراهم رعاياها التي امتلأت بها خزائنها أعظم نصير شد أزرها على مقاومة شريعة لها في بناء التمدن الحالي اليد البيضاء، وقد رميت زورا وإفكا بما هي براء منه، حتى إن الكردينال لافيجري زعم (أن المسلمين يعتقدون أن الزنجي ليس من العائلة البشرية والهيئة الاجتماعية الإنسانية، بل هو واسطة بين الإنسان والحيوانات العجم، وأنهم يعلمون هذه المعتقدات لأطفالهم ويبثونها في أذهانهم، بل ربما برهنوا لهم على أنه أخس مقاما من تلك الحيوانات).
ولقد تحققنا بالبراهين الدامغة أن الكردينال لافيجري قد استعمل في دعواه هذه طرق الغش والتدليس، ولكي يجتذب تعضيد الفرق الدينية ماديا وأدبيا قد برقش راية دعوته بصبغة الدين، فنهج منهجا مناقضا لطريقة تمثيل الحقائق بالصفة التي حقها أن تكون عليها، وربما عادت هذه الخطة بالعواقب الوخيمة على فرنسا التي يصح أن يطلق عليها أنها دولة إسلامية.
ولو نظرنا الآن إلى نتائج مساعي الكنيسة الكاثوليكية في طريق إبطال الرق لرأيناها على الضد مما كانت تومئ إليه مقدماتها، فإن جذوة الاسترقاق قد التهبت بدلا عن أن تخمد، واتسع نطاق دائرته عن ذي قبل، ولا غرابة في ذلك، لأن هذا المذهب الذي قام بالدعوة إليه نصراء الإنسانية غير مطابق لمقتضيات الطبيعة التي قضت أن يكون في الخليقة سيد حر وعبد رقيق، ولنا في تعاليم القديس توماس الذي اجتهد في نشرها البابا ليون الثالث عشر أعظم برهان على ما نقول، فإنه كان يقول لتلامذته: «إن فطرة الوجود قضت بأن يكون بعض الجنس البشري ملكا للبعض الآخر.» وكان يستند لذلك على النواميس الطبيعية والإلهية التي حتمت أن يكون موجود أقل من موجود ماديا وأدبيا، فيكون ذلك تابعا لهذا.