ويجب على فرنسا تجاه هذه المسألة أن تختط طريقا غير تلك الطريق العقيمة، ولن تبلغ أمانيها من ذلك إلا بنشر المبادئ المحمدية بين رعاياها المسلمين، وبهذه الواسطة تنبث هذه المبادئ في عقول الوثنيين المجاورين لأملاكها ومستعمراتها، فتهدأ أمواج الاسترقاق وتسكن زوابعه.» ا.ه.
الملحق السادس
رأيت فصلا نشرته جريدة الأوبسرافوتور الفرنساوية تحت عنوان: «الإسلام والاسترقاق في عددها الصادر بتاريخ 10 نوفمبر سنة 1891، وهذا تعريبه:
إننا لنهتم في فرنسا اهتماما شديدا بإلغاء الاسترقاق من بلاد السودان، وقد عملنا أعمالا كثيرة لقمع هذه العادة البربرية التي ترتبت عليها النخاسة، ولا نزال نأتي بأعمال كثيرة بسبب انتظام إرسالياتنا، وتعضيد جنودنا بأفريقيا لها تعضيدا قويا.
ولكنا لم ننفرد بهذا العمل الإنساني، بل هناك أمم أخرى اقتدت بنا، ونسجت على منوالنا.
ولذلك نرى من المفيد النافع أن نقف على اجتهاد غيرنا في هذا الباب، فأما نحن فقد أسعدنا الحظ فاطلعنا على الخطبة التي ألقاها أحمد شفيق بك السكرتير الخصوصي لسعادة ناظر الخارجية على الجمعية الجغرافية الخديوية، وقد طبعها حضرته في كراسة على حدتها عنوانها «الرق في الإسلام»، وليس حضرته مجهولا عندنا، فقد أرسلته حكومته منذ نعومة أظفاره إلى باريس، فدأب على الاجتهاد حتى تحصل على أجل الأتعاب، وسبر غور المعارف التي يمكن إتحاف وطنه بها، واستفادة أهليه منها، وقد رجع إلى بلاده وهو الآن فيها في وظيفة سامية، وترك بين ظهرانينا حسن الذكرى، وجميل الأحدوثة، ولذلك فهو إنما يزيد في ميلنا لمصر وانجذابنا نحوها، ولو أننا نأسف على رؤيتها غير مستقلة تمام الاستقلال، ويجعلنا ننظر بزيادة الاهتمام إلى مليكها الحالي، وقد وفاه حقه من المدح والشكر، وعطر الأندية بما هو خليق به من آي الحمد والثناء.
نعم إن النخاسة قد ألغيت من مصر من سنين عديدة، ولكن أحمد شفيق بك أخذ على نفسه أن لا يبقي للاسترقاق فيها رسما ولا اسما، غير أنه آلى على نفسه أن يبتدئ بدحض ما شاع في أوربا من أن الديانة الإسلامية تساعد على النخاسة، فوفى هذا العمل حقه من العناية والدقة في مؤلفه الذي نشير إليه.
وذلك لأنه ابتدأ بذكر خلاصة تاريخية على الاسترقاق عند جميع الأمم، وفي جميع الأعصار، ثم دخل في الموضوع فأثبت أن الديانة المحمدية لا تقر على هذه العادة، بل تسعى في إلغائها مرة واحدة، ولذلك سرد الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، ثم الحوادث التاريخية، ومنها ينتج أن «الديانة الإسلامية قد حصرت من غير شك ولا مراء حدود الاسترقاق، وعملت على إنضاب منبعه؛ إذ حتمت شروطا وفرضت قيودا لا بد منها لوقوع الاسترقاق، وبينت الطرق، وأوضحت الوسائل التي بها يكون الخلاص من ربقته».
ثم قال: «فإن شريعتنا المحمدية قد سعت في تقويض دعائم الاسترقاق وتدمير معالمه ... وهل كان من الموافق المبادرة بتحريم أمر امتزجت به عادات العالم كله منذ ما وجد الاجتماع الإنساني وتوالت عليه الأيام والأعوام والشهور والدهور؟ ألا إن ذلك كان يجر وراءه بلا شك انقلابا عظيما في نظام الاجتماع، وفتنة كبيرة في نفوس الأقوام، فلهذا جاءت شريعة الإسلام بهذه الغاية من طريق آخر تزول أمامه الصعوبات، وتتذلل العقبات، بدلا من تهييج العقول، وإثارة الخواطر والأفكار بإلغاء الاسترقاق مرة واحدة، فخوطب المسلمون بأن يتقربوا إلى الله تعالى بعتق العبيد المساكين في ظروف كثيرة وأحوال متنوعة.
وحث النبي
صلى الله عليه وسلم
كثيرا على السعي في نيل هذه الغاية الجليلة، ولذلك جاءت قواعده في العتق في غاية السعة ونهاية اليسر، بحيث يتسنى دائما للرقيق أن يجد فيها طريقا يساعده على الخلاص من الاستعباد إذا طلب ذلك، بل ولو لم يطلبه.»