تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كتب إليه الموسيو بيجوا المستشار الإكرامي في ديوان محاسبة باريس يشكره على إرسال نسخة من كتابه، وأنه تلاه باهتمام كثير، وتحقق بذلك أن دروسه التي تلقاها في فرنسا سيستخدمها في صالح بلاده وفائدة قومه ... إلخ. ثم كتب إليه صاحب الدولة رستم باشا سفير الدولة العلية في لوندرة يقول: «وصلني المكتوب الذي تفضلت بتحريره إلي في 12 الجاري شهر يوليو سنة 91 بقصد إرسال جملة نسخ من كتابك (الرق في الإسلام)، ولعمري إنه لا بد أن يأتي خير جسيم ونفع عميم من مثل هذا العمل الذي موضوعه الإثبات على أن الشريعة الإسلامية لا تقر على اصطياد الزنوج الحاصل في بعض أقطار أفريقيا، وإني أشكرك على النسخة التي تفضلت بإهدائها إلي، وسيحصل لي مزيد السرور من توزيع النسخ الباقية على الأشخاص وأرباب الجرائد الذين أرى فيهم الاقتدار على بث ما تضمنته بين جمهور الإنكليز، وتقبل يا حضرة البك أكيد احترامي وغاية إجلالي.

هذا، وما لبثت هذه الرسالة أن ظهرت في أوربا حتى أقبلت الجرائد الإفرنجية المهمة على تقريظها بما هي أهله، بل إن بعضها، مثل جريدة لاتوركي وغيرها، قد نشرتها برمتها في أعداد متوالية، لأنها لم تر وسيلة أفضل من ذلك لإحاطة علم قرائها بما حوته من المواضيع الشائقة والأقوال الصادقة.

الملحق الرابع

وبعد أن ظهر هذا الفصل في جريدة المؤيد جاء إلى المؤلف مكتوب في 30 أغسطس سنة 91 من المسيو أرتو روني، وهو من كبار العلماء في فرنسا، وله تآليف مهمة على مصر، وإليك تعريب هذا الكتاب:

سيدي:

لا يسعني إلا أن أقدم لك الشكر والثناء على كتابك (الرق في الإسلام) الذي تفضلت بإتحافي بنسخة منه، هذا وإذا كانت إقامتي في مصر غير طويلة المدى وجب علي أن أتطلع إلى معرفة كل ما يتعلق بهذه البلاد التي لها في فؤادي منزلة سامية قبل أن أبدي أفكاري الخصوصية على ما يجري فيها من الأمور، وعلى ذلك فإني أشهد بأن عملك الذي راعيت في تصنيفه جانب الصدق والأمانة قد جاء موافقا لكل ما اتصل بي عن هاتيك الديار، وكل ما سمحت لي الظروف بمشاهدته بنفسي، وقد روى لي بعض الذين نزلوا بمصر قبل أربعين سنة مضت أن استرقاق الزنوج ليس إلا ضربا من الاستخدام، أو شرطا للعمل يسري على العامل طول حياته، ويجوز فسخ هذا الشرط بالسهولة التامة، ولا يتخلل هذا الاسترقاق شيء ينافي مبادئ الإنسانية، وأن استرقاق المماليك ليس إلا نوعا من التبني، وكثيرا ما وصل بالأرقاء إلى مراقي الشرف والسعادة، ولقد بلغني نبأ زنوج يقومون بإطعام مواليهم حينما طعنوا في السن وصاروا من المغضوب عليهم، أو عبثت بهم أيدي الفقر والاحتياج، وما قولك في ذلك النادي الذي دخل فيه أحد أصدقائي وقيل له بخشوع وتبجيل أن انظر إلى هؤلاء الذوات فكلهم من معتوقي الباشا فلان، ويا حبذا لو وضع كتاب شاف مفصل في تاريخ الخمسمائة سنة التي حكمت فيها المماليك على مصر، فإنهم كلهم من الأرقاء قد اختارهم مواليهم من أجمل وأذكى الأطفال الذين جيء بهم من بلاد الشركس أو غيرها.

وقد شرح العلامة المقريزي كيفية تربية المماليك بقلعة الجبل بما يشعر بمقدار العناية الفائقة بهم، ومزيد الالتفات إلى شأنهم، فإنهم كانوا يرشحون على حسب قواهم العقلية للقتال أو السياسة أو الفنون والملاهي أو العلم والمعارف، ولذلك بلغ عصر المماليك مبلغا عظيما من الحضارة والفخامة، مع ما كان فيه من انتشار الفوضى والاضطراب، فهم الذين ملئوا القاهرة بهاتيك الآثار الباهرة والقصور الفاخرة التي يؤمها الزوار من سائر الأقطار.

وقد أتيح لي أن أتمتع برؤية هذه المناظر الرائقة منذ 26 سنة؛ أي قبل أن تشوبها شائبة أو يمسها سوء ...

وقد استغرب بعضهم أن السلطان قلاوون لم يكثر من تشييد العمائر فقال لهم: «نعم، ولكني أنشأت حولي قلعة من الأحياء، وستكفيني أنا ومن يخلفني غائلة الأعادي.» يشير بالقلعة إلى حلقته وحرسه. وبعبارة أخرى: دائرة المماليك التي حوله.

الرق في الإسلام · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الرق في الإسلامص ٢٦