إن الذي حملني على الشروع في هذا البحث على الاسترقاق إنما هو الخطأ الشائع في أوربا بخصوص الديانة الإسلامية؛ إذ يزعم القوم أن نصوصها تساعد على ارتكاب الفظائع الحاصلة في أفريقيا الوسطى، فلما أقدمت على هذا العمل رأيت من الواجب علي أن أحيط علم الجمهور بخلاصة تاريخية على الاسترقاق منذ الأعصار الخوالي والقرون السوالف، وجرني ذلك أيضا إلى الكلام عليه في الديانة النصرانية، وحينئذ لم يكن قصدي أن أتهم هذه الملة، وإنما ذكرت بعض أقوال آباء وعلماء الكنيسة للإعلام بحوادث وقعت وأمور تمت ليس إلا، فلذلك ليس في هذا المبحث شيء من العدوان، لأن غرضي الوحيد إنما هو - كما لا يخفي - أن أبرهن على أن الديانة الإسلامية لم تعتبر قط بني الزنج بمثابة الحيوان، بل إنها تكثر من وصاية المؤمنين بمعاملتهم بالتي هي أحسن، وإنها تسعى في إلغاء الاسترقاق وتجنح إلى إبطاله.
وتقبل يا حضرة المدير مزيد شكراني ووافر احترامي.
الملحق الثالث
رأيت في عدد 514 من جريدة المؤيد الأغر الصادرة في 28 محرم سنة 1309 (2 سبتمبر سنة 1891) الجملة الآتية وهي بنصها:
كتاب الرق في الإسلام
هذا الكتاب الجليل النفيس هو أحسن وأفضل ما صنف في الدفاع عن الديانة الإسلامية، التي قام الكردينال لافيجري وأشياعه باتهامها بأنها هي التي تدعو إلى النخاسة، وتوصي أهلها بارتكاب الفظائع والقبائح التي يرويها عن أواسط أفريقيا، ألفه بالفرنساوية حضرة الفاضل البارع أحمد بك شفيق السكرتير الخصوصي لسعادة ناظر الخارجية، وألقاه في جلسات متوالية على الجمعية الجغرافية الخديوية، فكان له أحسن وقع وأعظم تأثير، وقد أتينا على ما صادفه من النجاح والقبول في أعدادنا الماضية، وشرحنا أهم أقواله وملاحظاته، وقد ألح كثير من الكبراء والفضلاء الذين يهمهم إحقاق الحق وتبيان الواقع على حضرة الفاضل الألمعي الأريب أحمد أفندي زكي مترجم أول مجلس النظار، ومترجم شرف في الجمعية الجغرافية الخديوية بنقل هذا السفر العديم النظير إلى اللغة العربية، فلبى الطلب وقام بهذا الواجب خدمة للدين والحق، وعما قريب يتجلى للقراء من أبناء العرب، فيرون ما فيه من شوارد الفوائد، وأوابد الفرائد، ويشكرون هذين الفاضلين النجيبين على هذه الخدمة الجليلة.
وإننا نحيط علم حضرات القراء بقليل من كثير من النجاح الفائق الذي صادفته هذه الرسالة الفريدة في بابها عند كبراء الإفرنج الذين يقدرون الأشياء حق قدرها؛ فقد بعث الموسيو ميسمر رئيس الإرسالية الفرنساوية سابقا المشهود له بكثرة المعارف واتساع الاطلاع يهنئ المؤلف ويقول له: «لقد أفحمت خصمك، وإن الحق لفي جانبك، ولو أنك وضعت على كتابك الذي طبع على حدة هذا العنوان (رد مسلم على الكردينال لافيجري)
2
لكان نال اشتهارا فائقا وسارت بذكره الركبان.» وكذلك الموسيو ريبو أحد نواب فرنسا وناظر خارجيتها، أرسل إليه يشكره شكرا جزيلا، ومثله المسيو أندري لوبون (شقيق العلامة الفيلسوف جوستاف لوبون صاحب كتاب تمدن العرب) الموظف في وظيفة ناظر القلم الخاص برئيس مجلس السناتو في فرنسا، فإنه بعث إليه بعبارات الشكر الرائقة، وقد كتب إليه حضرة الموسيو ماسيجلى أحد كبار مدرسي القوانين بمدرسة الحقوق بباريس يقول فيه: «إني أشكرك على لطفك الكثير وكرمك الجزيل في إتحافي بنسخة من كتابك على الاسترقاق، وقد تلوته باهتمام زائد والتفات وافر، وإني أهنئك على إتمام هذا الصنع الباهر ... إلخ.» وكتب إليه الموسيو موجل ناظر الإرسالية المصرية بفرنسا حالا يقول: «إني لأشكرك من صميم الفؤاد على إتحافي بنسخة من بحثك المفيد الجليل الذي تحريت فيه الكلام على الاسترقاق، ولم يكن لي علم به إلا من بضعة سطور رأيتها في بعض الجرائد، أما الآن وقد تلوته من أوله إلى آخره فقد وقفت على مكانته من الأهمية والخطارة، وعلمت مقدار ما استوجبه من البحث والتنقير، ولعمري إن ذلك شيء عظيم وأمر خطير ... إلخ.» وكتب إليه الموسيو داجين السكرتير العام لجمعية مقارنة الشرائع ومطابقة القوانين يقول: «قد وصل لنا كتابك على الرق في الإسلام، وإني أهديك الشكر الجزيل على لطفك في إتحافنا بهذا العمل المفيد، وسأحيط به علم أعضاء القسم الفرنساوي من جمعيتنا حتى يعينوا واحدا منهم ليقدم عنه خلاصة ننشرها في كراسة جمعيتنا ... إلخ.» وأرسل له أيضا العالم الموسيو دوليل ناظر الكتبخانة الأهلية بمدينة باريس يشكره على تفضله بإرسال نسخة من كتابه هذا إلى الكتبخانة المذكورة، وأنه وضعه فيها وسجل اسمه في دفاترها، وقد كتب إليه الموسيو بوكارا أحد المفتشين بقومبانية قنال السويس يقول له: «لقد سررت من كتابك سرورا عظيما، فإنه برهن لي على أنك لم تنسني، وقد تلوته بعناية واهتمام، وإنك أصبت في البدء بذكر خلاصة تاريخية وجيزة على الاسترقاق ولكنها جوهرية، وتكلمت عليه عند جميع الأمم في الأزمان القديمة والقرون الوسطى، ثم استنبطت هذه النتيجة التي تدل على أصالة رأيك وإصابة فكرك، وهي أن الاسترقاق عند جميع أمم الشرق كان مقرونا بتلطف وتعطف لا يجد نظيرهما الإنسان في مدينة رومة أو في بلاد اليونان، وقد أوضحت أن الأرقاء كانت معاملتهم بالحسنى في مصر على الدوام، وأكدت عن صدق الإرادة في تحسين حالتهم في هذا الزمان أكثر مما قد كان، ثم احتججت على دعاوى الكردينال لافيجري الذي يقول: (إن الزنوج عند المسلمين ليسوا من العائلة البشرية.) وإني أجد احتجاجك صحيحا شرعيا، وأستصوب كل الاستصواب ما فعلته في هذا الباب من الدفاع عن دينك وعن مليكك، ويا حبذا لو أن كل فرد من أفراد الفرنساوية يوفق لأن يفعل مثل ذلك بالنسبة لدينه وبلاده!» ثم ختم كتابة بتكرار الشكر وإعادة التهاني على ظهور هذا الكتاب من حيث شكله وموضوعه.