وقد رأينا من الذين لم ينكروا العمل الإحساني الذي قامت به الكنيسة فريقا يلومها على شدة بطئها في إنجازه وكثرة توانيها في إنفاذه، ولكن ألم تكن الكنيسة نفسها منفية مهددة مضطهدة مدة أجيال طوال؟ وهل كان في وسعها أمام العدد العديد من العبيد في الدولة الرومانية وفي ممالك القرون الوسطى وفي المستعمرات لهذا العهد أن تحث على عتقهم وتدعو إلى تحريرهم من غير أن يترتب على صنيعها هذا ارتجاج عام في نظام المجتمع الإنساني؟
ولنذكر أن سبارتاكوس على رأس جيش من الأرقاء قد أزعج رومة وخرب إيطاليا، وأن العنف الذي حصل في أيامنا هذه في تحرير الأرقاء بأمريكا قد أجج نيران حرب الانشقاق، ألا إن الكنيسة لو تطرفت في عملها لجعلت الهيئة الاجتماعية تحتفظ منها، ولذلك انتظرت بحزم وحكمة حلول الأجل المحتوم، فوصلت إلى غايتها وهي محافظة على شأنها واختصاصها.
ورب معترض يقول: إن تقدم المدنية وارتقاء الحضارة هو الذي أوجب بالضرورة إلغاء الاسترقاق، ولم يكن للدين في ذلك دخل. فأقول: إني أحترم أفكار غيري احتراما شديدا يوجب علي عدم الإفاضة في تصويب فكري، الذي هو فكر المذهب المعبر عنه في ألمانيا بالتاريخي، ومن مقتضى هذا المذهب أن الديانة النصرانية هي الدعامة الأولى للتمدن العصري، ولكن لي الأمل في أني لا أرى أحدا يناقضني إذا قلت إن نفس سلوك رئيس الأساقفة بالجزائر (يعني الكردينال لافيجري) الذي يجهد نفسه جهدا كريما في الأخذ بناصر أرقاء أفريقيا هو أوفى دليل على ما اتصفت به الديانة النصرانية في هذا الموضوع.
فأجاب حضرة أحمد شفيق على ملاحظة حضرة الكونت زالوسكي بأنه مستعد لبيان الأصول التي نقل منها ما ألقاه على الجمعية، ثم أراد أن يسترسل في الرد عليه، فرأى الرئيس أن التوسع في الجدال ربما يخرج عن موضوع الخطبة، ودعا حضرة شفيق بك لإتمام تلاوة مبحثه، فأطال حضرته، حتى إذا لم يعد الوقت كافيا تأجلت تلاوة القسم الأخير إلى جلسة أخرى، ولما حضر فيها حضرة المؤلف أحضر معه نسخا مطبوعة فيها أسماء الكتب المسيحية التي نقل عنها ما نقل مع بيان أسماء مؤلفيها وتواريخ طبعها والمدائن التي طبعت فيها، وخلاصة ما جاء فيها مما له ارتباط بهذا الموضوع.
1
الملحق الثاني
نشرت جريدة الأجبسيان غازت جملة بمناسبة هذه الخطبة جاء فيها:
إن المحاضرة التي ألقاها شفيق كانت كثيرة الفائدة، إلا أنها كانت عدوانية، فالاختلافات والمقارنات اللاهوتية، يلزم اجتنابها في المحاضرات العامة، وبالأخص في البلاد التي يوجد بين سكانها عدد كبير من أديان مختلفة، وفي الحق إن نظرية شفيق كانت في موضعها، ولكنها من الوجهة العملية تختلف كثيرا عن أحكام القرآن.
ونسي المحاضر أن كل الديانات تبدي كراهتها للاسترقاق، وفي الوقت نفسه لم يفكر في أن الإنسان لا يعمل إلا نادرا بأحكام الديانة، كما أن المسلمين غير مسئولين عن الفظائع التي يرتكبها النخاسون وملاك الرقيق، وإذا كان الإنجيل لا يحتوي على أحكام خاصة بالاسترقاق، فإن مرجع ذلك عدم اعترافه بالرق الذي لم يكن له نظام عرفي، ولا باستخدامه في المعيشة الداخلية، وأن الديانة المسيحية كانت تعتبر وجود الرق حالة شاذة من بقايا عادة وثنية تخالف حكمة القانون، فالحواريون ما كانوا يفكرون أن كشف أمريكا يؤدي إلى تجديد هذه العادات العتيقة.
فأجاب عليها المؤلف بفصل بعث به إلى الجريدة المذكورة فنشرته في العدد 2805 الصادر في 22 ديسمبر، وهذا تعريبه:
حضرة مدير جريدة الأجبسيان غازت
تلوت في العدد الصادر في 15 ديسمبر جملة تختص بالجلسة الأخيرة التي عقدتها الجمعية الجغرافية الخديوية، لم يتفطن صاحبها أثناء كلامه على خطبتي في الاسترقاق إلى المعنى الحقيقي الذي يستفاد من أقوالي، ولذلك جئت أرجوكم أن تتكرموا بنشر إجابتي هذه في جريدتكم الغراء.