وكثيرا ما كان الموالي يوصون لمماليكهم بجميع أملاكهم وأموالهم، وكان العبيد من السودان يشتركون أيضا في هذه المزية مثل المماليك، ولنذكر لك مثالا واحدا وقع في أيامنا هذه بدلا من الاستشهاد بأمور بعيدة عن ذكرنا: ألم تترك المرحومة قادن أفندي والمغفور لها إينجو خانم أفندي هبات سنية وعطايا واسعة من أرض ودراهم لجميع عتقاهما وخدمهما بلا تمييز في الألوان؟
وما كان للسودانيين مع ما يلاقون من المعاملة بالحسنى أن يعقدوا آمالهم على الظهور وبلوغ الدرجات العالية مثل ما كان ذلك مقدورا للمماليك ذوي اللون الأبيض.
ومن هذا كله يمكننا أن نستنتج أن المماليك البيض لم يكونوا أرقاء إلا بالاسم. •••
لا يجهل أحد من الناس ما بذلته إنجلترة من المساعي في إبطال الاسترقاق، وأنها لأجل نوال هذه الغاية الإنسانية قد عقدت العهود وأبرمت المواثيق مع عدد عظيم من دول أوربا وآسيا وأمريكا وأفريقيا، وبعد أن لاقت في طريقها صعوبات جمة قد فازت بالنجاح ونالت الأرب، وقد اشتركت مصر في ذلك، وأبرمت معاهدة مع إنجلترة في 4 أغسطس سنة 1877 من مقتضاها أن الاسترقاق والنخاسة ملغيان في جميع أنحاء القطر المصري، ومن جملته السودان، وقد عملت حكومتنا على مقتضى أصول الدين وقواعده من حيث الحض على العتق، فلم تكتف بمراعاة نص هذه المعاهدة، بل فعلت ما هو زائد عليها، فوضعت أقلاما عديدة في جميع الأقاليم لعتق من يطلب ذلك منها من الأرقاء، وجميع هذه الأقلام تحت ملاحظة الماهر النشيط الميرالاي شارل شفر بك مدير عموم مصلحة إلغاء الرقيق، والنتائج التي نجمت عن هذا الترتيب ظاهرة لا يصح نكرانها.
ولنتمم الآن هذا البحث الصغير بإسداء الشكر الجزيل لمولانا الموفق وخديوينا الأكرم على ما بذله من العناية العظمى والرعاية الكبرى في إكمال هذا المشروع الخيري؛ ليجعل رعاياه راتعين في بحبوحة النعيم والحرية، أدامه الله مصدرا لإسعاد البلاد ومن فيها من العباد. •••
ولما كانت مسألة الاسترقاق من المسائل التي شغلت بها أوربا في هذه الأيام فقد عقدنا النية على أن نشتغل بها بنوع خاص، ولنا الأمل في وجه الله الكريم أن يتيح لنا في يوم من الأيام إتحاف جمهور القراء ببحث مطول مستوفى على هذه المسألة، ونسلك فيه الطريق الذي انتهجناه في هذه الرسالة، إلا أنا نوفي المقام ونطيل الكلام في جميع الأبواب، وخصوصا في البابين الأخيرين، ثم نضيف إليه ما يأتي:
أولا :
فتاوى القضاة والعلماء في البلدان الإسلامية المختلفة التي تحرم النخاسة تحريما يبنى عليه تحريم ما هو واقع من الفظائع في أفريقيا الوسطى، فيعرف بذلك حضرة الكردينال لافيجري أن علماء الدين عندنا لا يتقاعسون أبدا عن إبداء الحق، ولا يخشون فيه لومة لائم.
ثانيا :
أفكار كبار المؤلفين الذين كتبوا في الاسترقاق.
ثالثا :
جدولا إحصائيا ببيان العتقى بمصر، والأوقاف التي خصصت لهم بعد موت مواليهم.
رابعا :
كلاما وجيزا على الاسترقاق من حيث فن التدبير والاقتصاد، ومن حيث نتائج إلغائه في بلادنا، والوسائل التي ينبغي اتخاذها للمستقبل.
ونتكلم فيه أيضا على النخاسة من حيث التاريخ والارتباطات الدولية، فنأتي على ذكر كل اتفاق مهم أبرم لهذا الغرض، ونقابل الأهم منها بالأهم، ونخصص بابا لإلغاء النخاسة والاسترقاق في البلاد المختلفة، وللنتائج التي حصلت بعد هذه الاتفاقات، ونختم بحثنا ببيان بعض أوجه الخلاف الظاهري بين نصوص الشريعة الإسلامية وبين شروط المعاهدة التي أبرمتها إنجلترة مع مصر، ونذكر من طرق التوفيق بينهما ما يندفع به الإشكال إن شاء الله.
وهنا ندعو جميع الذين تعنيهم هذه المسألة إلى التفضل علينا بكل ما يلوح لهم من الملحوظات على هذا الكتاب، وما عندهم من الآثار، وإعانتنا بما لديهم من المعلومات والأفكار حتى يتيسر لنا بحوله تعالى إنجاز صنيعنا الكبير الذي عقدنا النية عليه، والله الموفق لعباده، وهو الهادي إلى سواء السبيل.