تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا صرفنا النظر عن الأحوال الاستثنائية القليلة التي كان بعض الأسياد فيها يهينون عبيدهم، ويسيئون معاملتهم، بل ويعدمونهم حياتهم، يجمل بنا أن نقول بأن هذه الأعمال لا يتأتى الآن تكررها، ولا يمكن لأحد الإقدام عليها، والفضل في ذلك راجع لحكومتنا الحالية النظامية الدستورية، ولعناية ولي نعمتنا الذي بسط جناح رعايته على جميع أفراد رعيته.

على أننا نقول: أي بلد يخلو من خبثاء شريرين لا يرعون عهدا ولا زمة ؟ فهل يصح للإنسان أن يحمل آثام هؤلاء النفر القليل على عاتق أمة بأكملها؟

وإذا صرفنا النظر عن هذه المغايرات النادرة، واعتبرنا حالة الرقيق العامة، رأيناها أفضل من حالة الخدم الآخرين، فإن سيد الرقيق كان يرعاه ويشفق عليه أكثر من غيره، لكونه منقطعا لا عائلة له، وكان يأمره بما لا يشعر بالشدة والعنت والعنفوان، وما كان يسعى في تحقيره وإذلاله، وكان كثيرا ما يعتق العبد ليزوجه، أو الأمة ليتزوجها.

وكثير من المسلمين يعتقون أرقاءهم بعد أن يخدموهم عددا معينا من السنين، إطاعة لما أمرتهم به شريعتهم الإلهية، فإنها أكثرت من وصايتهم بهذا العمل الخيري الإنساني، بل إنهم يزوجون الإماء بأبنائهم ويمهرونهن بحسب ثروتهم، ويربون أولاد أرقائهم ويعتقونهم ويسعون لهم في وظائف ينالون منها الرزق، وقد خرج من هذه الطائفة ملوك وسلاطين مثل كافور الإخشيدي الذي تولى على بلاد مصر من سنة 966 إلى سنة 968 ميلادية، وكثيرين غيره من الموظفين ذوي المناصب السامية والمقامات العالية ممن خدموا بلادهم بالصدق والأمانة، مثل آدم باشا الذي كان قائد الجيش المصري، ومثل ألماس بك الذي كان ميرالايا في الجيش المصري المبعوث إلى المكسيك في أمريكا، على عهد المغفور له سعيد باشا، وغيرهما من العدد العديد.

ولا يجهل أحد ما كان للطواشية (الخصيان) من الشأن الأكبر والنفوذ المهم في القسطنطينية وفي مصر القاهرة، ففي بلادنا كان أعاظم القوم وسراتهم يتملقون ويتزلفون إلى ألماس أغا طواشي والدة عباس باشا، وخليل أغا طواشي سعيد باشا، ثم خليل أغا المشهور طواشي والدة الخديوي السابق، وكلهم قد جاءوا من بلادهم في أحقر الحالات وأنكدها، فساق الله لهم السعادة، ورزقهم الغنى الوافر والثروة الطائلة.

1

ومتى طعن العبد في السن أو أصابته عاهة من العاهات أعفي من كل الأعمال إذا كان قد رفض الحرية بعد أن عرضت عليه، ولم يكن يشتغل إلا بالعناية بأولاد سيده، فإذا لم يتيسر له بعد العتق كسب القوت لسبب من الأسباب، كان سيده يقوم بنفقته.

وكان الرقيق على الدوام ينال مكافأة من الدراهم يعينها له سيده بحسب مقدرته ، وكثيرا ما ينذر الإنسان فك الرقبة إذا أناله الله حاجة يسعى في طلبها.

وأما العبيد البيض (وهم المماليك) فكانت حالتهم أحسن بما لا يقدر؛ إذ كانت المرأة تكاد تكون على الدوام مخصصة لأن تكون زوجة الرجل أو ولده أو حظية أحدهما، وكانت نساء السلاطين وملوك المشرق (إلا فيما ندر) وكبار الموظفين من هذه الطائفة.

وأما الشبان منهم فكانوا يتربون مع أولاد ساداتهم، ويتعلمون ويتأدبون معا على حد سواء، حتى إذا بلغوا سنا معينة أعتقهم مواليهم وزوجوهم بناتهم، وكانوا يصلون إلى تولي المناصب الرفيعة في إدارة الحكومة؛ ففي أيام المماليك كانت رتبة البكوية لا تعطى إلا للعبيد المماليك، مثال ذلك: علي بك وإبراهيم بك ومراد بك (الذين قاتلوا الفرنساوية واستبدوا على مصر وأهلها)، فقد ابتاعتهم ساداتهم من الأسواق، وها نحن نشاهد الآن عتقى محمد علي وإبراهيم باشا، وخصوصا عباس باشا، متقلدين المناصب السامية، وحائزين للرتب الرفيعة، والدرجات العالية، ومتنعمين بالثروة الطائلة.

وقد كان يتفق في بعض الأحيان أن الأسياد والسيدات يتبنون مماليكهم من الذكور والإناث، ولنا على ذلك شواهد كثيرة لا تخفى.

الرق في الإسلام · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الرق في الإسلامص ٢١