هذا، وإن العتق الذي جئت فقط على ذكر قواعده العمومية وأصوله المهمة على وجه الإجمال لهو - والحق يقال - من أفخر ما يفتخر به الإسلام، فإن شريعتنا المحمدية قد سعت في تقويض دعائم الاسترقاق وتدمير معالمه، ولكن كيف العمل؟ هل كان من الموافق المبادرة بتحريم أمر امتزجت به عوائد العالم كله منذ ما وجد الاجتماع الإنساني، وتوالت عليه الأيام والأعوام والشهور والدهور؟ ألا إن ذلك كان يجر وراءه بلا شك انقلابا عظيما في نظام الاجتماع، وفتنة كبيرة في نفوس الأمم والأقوام، فلهذا جاءت شريعة الإسلام بهذه الغاية من طريق آخر تزول أمامه الصعوبات وتتذلل العقبات، بدلا من تهييج العقول، وإثارة الخواطر والأفكار بإلغاء الاسترقاق مرة واحدة، فخوطب المسلمون بأن يتقربوا إلى الله بعتق العبيد المساكين في ظروف كثيرة وأحوال متنوعة.
وحث النبي
صلى الله عليه وسلم
كثيرا على السعي في نوال هذه الغاية الجليلة، ولذلك جاءت قواعد العتق في غاية السعة ونهاية اليسر، بحيث يتسنى دائما للرقيق أن يجد فيها طريقا يساعده على الخلاص من الاستعباد إذا طلب ذلك، بل ولو لم يطلبه.
42
الفرع السادس: في التطبيق والخاتمة
قد أتينا فيما سبق على ذكر القواعد النظرية التي عليها الاسترقاق، ولنبحث الآن بحثا مدققا عن الوجه الشرعي الذي يعامل به الزنوج الذين كانوا يردون علينا ويجلبون إلينا من أواسط أفريقيا قبل عقد المعاهدة بين الإنكليز ومصر في 4 أغسطس سنة 1877.
هل هؤلاء المساكين أرقاء حقا؟ هذا موضع تجوز الريبة فيه وتدخل الشكوك عليه، لأننا إذا طبقنا نصوص الشريعة تطبيقا مدققا وبالحرف الواحد كنا على اتفاق تام مع قواعدنا الدينية الحاثة على التقدم، الساعية في الارتقاء، وقلنا إنه يلزم لاسترقاقهم شرطان:
الأول:
أن لا يكونوا يدينون بدين الإسلام في وقت أسرهم.
الثاني:
أن يكون أخذهم بطريق الحرب.
وقد كان يتفق وجود مسلمين بين هؤلاء الزنوج، وكان لا بد من اعتبارهم أحرارا، حيث تقرر أنه «لا يجوز استرقاق المسلم المولود من أبوين حرين»، وأما الآخرون الذين لا يدينون بالإسلام فيشترط في استرقاقهم الأسر في حرب شرعية بعد الإنذار والإشهار، ويشترط أن تكون الحرب في صالح الإسلام، وبما أن أمثال هؤلاء الزنوج كانوا يؤخذون سبيا واختطافا، أو بطرق أخرى غير شرعية يقصد منها المنفعة الشخصية الخصوصية، فلذلك لا يصح القول بأنهم حقيقة أرقاء.
وفي هذا المقام قد يرد علينا اعتراض مهم، وهو: (بما أن هؤلاء الزنوج لم يكونوا حقيقة أرقاء، فلماذا كنتم تفترشون الإماء وتجعلون منهن أمهات الولد؟) والسبب في ذلك سهل بسيط، وهو أن السواد الأعظم منا كان يفعل ذلك عن جهل ليس إلا، من غير زيادة ولا نقص، على أن البعض كفريق من العلماء كانوا يحتاطون قبل افتراش الإماء، فيستعلمون أولا عما إذا كانت الشرائط المطلوبة قد استوفيت كلها، وإلا لم يفترشوهن.
فهل بقيت بعد ذلك حاجة تضطرني إلى اختتام القول بأن الاسترقاق بالوجه الشرعي لا يمكن تحققه، ولا يتأتى حصوله في هذه الأيام، وأنه على ذلك يتسنى للحكومة المصرية بلا منازعة أن تنادي بحرية جميع الموالي الذين بوادي النيل، حتى تكون قد أيدت وأوثقت عهد إلغاء الاسترقاق، وإنه ليحق لي بعد هذا - بل يجب علي - أن أجاهر على رءوس الأشهاد بأن حضرة الكردينال لافيجري، هو وكل من يرى رأيه ويذهب مذهبه، واقعون بلا مشاحة في أشد الخطأ، بعيدون عن الصواب بزعمهم أن ديننا القويم يساعد على اصطياد الرقيق، وأن الإسلاميين يعتقدون ويقولون بأن الزنوج ليسوا من الإنسان، بل إن مقامهم أدنى من مقام الحيوان.
| هوامش
الفصل السادس
| الكلام على الرق في مصر من حيث العرف والأخلاق
ولنأت الآن بكلام وجيز على الكيفية التي عومل بها الرقيق من حيث العرف والأخلاق والعادات في مصر.