تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم ، فقال لها

صلى الله عليه وسلم : ابتاعي فأعتقي، فإن الولاء لمن أعتق، ثم قام فقال: «ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرطه مائة مرة، شرط الله أحق وأوثق»».

وقد عاون النبي نفسه عليه الصلاة والسلام سلمان الفارسي

40

على مكاتبته، فغرس له بيده المباركة ثلاثمائة نخلة، وقال: أعينوا أخاكم. فأعانوه على دفع المال، وقدره أربعون أوقية من الذهب، لأن المكاتبة كانت على غرس ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية من الذهب، وبذلك تم له نيل حريته.

وعتق أم الولد يتم بمجرد افتراش السيد لها متى أقر بأولادها وألحق نسبهم به، وفي حياة المولى تكون حالة هذه الأمة شبيهة بحالة الموصى بعتقها، فلا يجوز بيعها ولا هبتها، ومتى توفي نالت فوق ذلك حريتها بلا مقابل، ولو ترك المتوفى ديونا عظيمة.

وإليك شاهد على تطبيق هذه القاعدة والعمل بها، قالت سلامة بنت معقل: كنت للحباب بن عمرو، ولي منه غلام، فلما توفي قالت لي امرأته: الآن تباعين في دينه. فأتيت رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له، فقال: من صاحب تركة الحباب بن عمرو؟ قالوا: أخوه أبو اليسر كعب بن عمرو. فدعاه فقال: لا تبيعوها وأعتقوها.

وهذه الأحكام المساعدة على العتق هي محترمة مقدسة، حتى إنه عليه الصلاة والسلام أثبتها وقررها بمناسبة فراشه مع أمته مريم والدة سيدنا إبراهيم عليه السلام.

وكذلك حكم العتق في الأمة غير المسلمة، فإنها تنال حريتها بمجرد افتراشها لمولاها.

وقد جاء في نصوص الشرع الشريف أحكام أخرى تنيل العبد حريته، ومثال ذلك إذا صار الرجل عبدا لآخر تجمعه وإياه روابط القرابة والنسب، سواء كان من الأصول أو الفروع لأية درجة كانت، فإنه يعتق عليه حتما، وإذا هرب العبد الأجنبي من بلاده، وجاء إلى دار الإسلام وأسلم، نال حريته. ولا يخفى على من له إلمام بالتواريخ والسير أن كثيرا من العبيد قد التجئوا في واقعتي الطائف والحديبية إلى معسكر النبي عليه الصلاة والسلام، فصرح

صلى الله عليه وسلم

في الحال بأنهم عتقى أحرار، ولم يلتفت قط إلى مطالبة أسيادهم بهم.

قال الله تعالى في كتابه المجيد:

يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار (سورة الممتحنة60 - آية10).

ومن نظر إلى صيغ العتق ورسومه في الدين الإسلامي رآها أكثر بساطة وأشد سهولة منها في الشرائع الأخرى، فيكفي في العتق أن يقول الرجل لعبده: «أنت حر لوجه الله تعالى»، فيكتسب حريته، بل إذا مزح السيد بعتق العبد عتق عليه، ولو لم يقبل العبد نوال حريته، فإنه يصير حرا رغما عن رفضه الحرية.

41

الفرع الخامس: خلاصة ما تقدم

من الآيات القرآنية الشريفة والأحاديث النبوية الكريمة وأقوال الأئمة وشواهد التاريخ التي سردناها في المطالب السابقة، يتضح أن الديانة الإسلامية قد حصرت من غير شك ولا مراء حدود الاسترقاق، وعملت على إنضاب منبعه؛ إذ حتمت شروطا وفرضت قيودا لا بد منها لوقوع الاسترقاق، وبينت الطرق، وأوضحت الوسائل التي يكون بها الخلاص من ربقته، فإذا اتفق لشخص مع كل هذه الوسائط، ووقع القضاء المحتوم عليه، فأوقعه في الاسترقاق، فقد رأينا أن الشريعة الإسلامية لا تتخلى عنه ولا تتركه وشأنه، بل تبسط عليه جناح حمايتها، ولواء رعايتها، فتعتبره جديرا بالشفقة خليقا بالمرحمة؛ لما تراه فيه من الضعف والمسكنة، ولذلك وردت فيها الوصايا التي تفرض على الموالي أن يعاملوا أرقاءهم كما يعاملون أنفسهم، وأن يسعوا في إسعادهم ونعومة بالهم وتأديبهم وتهذيبهم وتعليمهم، وأن لا يزدروا بهم ولا يضعوا من قدرهم، وأن يزوجوهم أو يتزوجوهن تعجيلا لتخليصهم من ربقة الرق، وإيرادهم موارد الحرية.

الرق في الإسلام · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الرق في الإسلامص ١٩