32
فما أوردناه من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشواهد التاريخية يحق لنا الأمل بأن حضرة الكردينال لافيجري يدرك أن الأرقاء لهم في البلاد الإسلامية نفس الحقوق التي يتمتع بها الأحرار، وأنه لم يصب صوب الصواب حينما جاهر «بأن المسلمين يعتقدون ويعلمون بأن الزنجي ليس من العائلة البشرية، وأن مقامه يكون بين الإنسان والحيوان، بل إن بعضهم يجعلونه أدنى من الحيوان»!
الفرع الثالث: في نكاح الأرقاء
لا يكاد الإنسان يتمالك، من الغيظ والحنق، إذا ذكر الحدود والعقوبات التي فرضتها أمم الشمال على الرجال والنساء، الذين يتزوجون بالأرقاء، فإنهم كانوا يقعون في ربقة الرق والاستعباد.
أما شريعة الويزيقوط فكانت من القساوة بحيث لم يسمع لها بمثيل؛ إذ قد نصت «على أن المرأة الحرة التي تتزوج برقيقها أو بمعتوقها تحرق هي وهو وهما على قيد الحياة».
فانظر الآن إلى الإسلام فيما يختص بهذا النوع من الأنكحة؛ قال الله تعالى:
ومن لم يستطع منكم طولا - أي غنى واعتلاء، وأصله الفضل والزيادة -
أن ينكح المحصنات المؤمنات - أي يعتلي نكاح المحصنات أو من لم يستطع غنى يبلغ به نكاح المحصنات الحرائر لقوله -
فمن ما ملكت أيمانكم ...
من فتياتكم المؤمنات (سورة النساء 4 - آية 25).
33
ثم قال عز من قائل في هذه الآية أيضا:
فانكحوهن بإذن أهلهن - يريد أربابهن -
وآتوهن أجورهن - أي: أدوا إليهن مهورهن بإذن أهلهن -
بالمعروف - بغير مطل وإضرار ونقصان -
محصنات - عفائف -
غير مسافحات - غير مجاهرات بالسفاح -
ولا متخذات أخدان - أخلاء في السر.
وقد قال تعالى في سورة النور 24 - آية 32 (وفي الأصل 29):
وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم - أي عبيدكم -
وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله
34
ولم يهمل النبي عليه الصلاة والسلام الحث على مثل هذه الأنكحة والحض عليها، واستوصى بها كما سبق لنا بيانه.
وانظر إلى ما جاء في التاريخ، فإن المأمون بن هارون الرشيد مع كونه ابن مملوكة قد نهض به إلى مركز الخلافة ما اتصف به من العقل والعرفان، فكان في ذلك مرجح له على أخيه الأمين.
وقد جعلت الشريعة الغراء للسيد تمام الحرية في تزويج مماليكه إلى من يشاء من الأرقاء والأحرار، ولم تجعل له حقا في التفريق بين الأرقاء بعد تزويجهم، ولكنه لا يجوز له أن يصرح لعبده وأمته أن يعيشا معا بغير زواج، ويجوز له أن يفترش إماءه ما عدا الأختين والأم وبنتها، والخالة وبنتها، والعمة وبنتها، وغيرهن من ذوي الرحم المحرم.
والأولاد الذين يولدون من هذا الوطء يكونون أحرارا وشرعيين، ويرثون في أبيهم مثل ما ترث أولاد المرأة المعقود عليها، وهذه مزية ما وجدت قط في أية شريعة أخرى.
وللسيد أن يتزوج بأمته بعد أن يعتقها، ويعطيها مهرا، وفي هذه الحالة ترثه هي وأولادها، فإذا أبت المعتوقة نكاحه فليس له أن يعيدها تحت سلطته، أو أن يلزمها بنكاحه.
الفرع الرابع: في العتق
إن الديانة الإسلامية تساعد كل المساعدة على العتق، فإنها تدعو إليه، وتحث عليه، لأنها تعتبره عملا مبرورا مقرونا بجزيل الأجر والثواب، وإليك الدليل: قال تعالى:
والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم
الآية.
وقد أوضح الله عز وجل أثناء كلامه على العقبة التي بين الجنة والنار طريقة اجتيازها فقال:
فك رقبة (سورة البلد 90 - آية 13).
ثم أوصى المسلمين أيضا بهذا العمل الإنساني لتكفير ذنوبهم وسيئاتهم فقال تعالى:
وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله
الآية (سورة النساء 4 - آية 92).
وقال تعالى في سورة المائدة 4 - آية 89 (وفي الأصل 91):
لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته ...