24
فهلا ترى في ذلك دليلا قاطعا وبرهانا ساطعا على أن الشريعة الإسلامية لا تحث فقط على معاملة الرقيق بالحسنى، بل تأمر أيضا بتهذيبه وتأديبه؟!
ونشهد الآن بالتاريخ، ونذكر بعض الحوادث الصادقة الصحيحة فنقول:
لما كان أبو عبيدة
25
رضي الله عنه محاصرا بجيشه كله لبيت المقدس، وقد ضيق على المدينة وأهلها، رضي صفرونيوس البطريرك بالتسليم، وطلب أن يتخابر في الشروط مع الخليفة عمر بن الخطاب نفسه، فقبل الخليفة رضي الله عنه هذا الطلب، وجاء إلى المقدس الشريف ومعه غلامه، ولم يكن لهما إلا ناقة واحدة، فكانا يركبانها الواحد بعد الآخر، إلى أن اقتربا من المدينة، وجاء الدور للعبد، فأركبه الخليفة وسعى خلفه على أقدامه، بهذه الحالة، حتى وصل إلى معسكر أبي عبيدة، فخشي هذا أن أهالي بيت المقدس يحتقرون الخليفة لهذا السبب، فقال له ما معناه: «إني أراك تصنع أمرا لا يليق؛ فإن الأنظار متجهة إليك.» فقال عمر: «لم يقل ذلك أحد قبلك، وكلامك هذا يجلب اللعنة على المسلمين، وقد كنا أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس، فأعزنا الله بالإسلام، ومهما نطلب العز بغيره يذلنا الله تعالى.»
26
ولما تولى أبو عبيدة هذا القيادة العامة على الجيوش الإسلامية في بلاد الشام أرسل لافتتاح حلب مائة رجل من صفوة قريش (وهي قبيلة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ) وجعل رئيسهم زنجيا.
وهناك شواهد أحسن من التي سبق لنا إيرادها، فقد ورد في التاريخ أن أسامة بن زيد كان مولى لرسول الله
صلى الله عليه وسلم
وكان يحبه كثيرا، وكان يقعده وهو صغير هو والحسن بن علي على ركبتيه ويلاعبهما ويقبلهما ويدعو لهما، فلما كبر أسامة ورأى فيه رسول الله
صلى الله عليه وسلم
استعدادا لقيادة الجنود، أمره على جيش أرسله في السنة الحادية عشرة من الهجرة لفتح فلسطين، وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما (وهما اللذان توليا الخلافة بعد وفاته عليه السلام) في هذا الجيش تحت إمرته، ولكنه اضطر إلى العود للمدينة المنورة لجملة أسباب؛ منها مرض مولاه عليه الصلاة والسلام، فدخل إليه وكان مريضا لا يتكلم، وقد ثقل عليه المرض، فجعل يرفع يده الشريفة إلى السماء ويضعها عليه للدعاء، حتى إذا قبضه الله إليه وعلمت الأعراب خبر انتقاله إلى دار البقاء نكصوا على أعقابهم مرتدين، وخلعوا حلية هذا الدين، فرأى أبو بكر رضي الله عنه أن أول واجب عليه هو الاهتمام بملاقاة هذه الثورة قبل أن يستفحل أمرها ويتفاقم شرها، فعمل بوصية رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وأبقى أسامة على رأس الجيش، وأمره بالزحف على الثائرين من أهل الردة، ولكن الأنصار قالوا لعمر: قل لأبي بكر أن يولي أمرنا أقدم سنا من أسامة. فلما أبلغه الرسالة أخذ أبو بكر بلحيته وقال: «ثكلتك أمك يا ابن الخطاب! استعمله رسول الله وتأمرني بعزله؟» ثم خرج أبو بكر حتى أتى الجنود وشخصهم وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب، فقال له أسامة: «يا خليفة رسول الله، لتركبن أو لأنزلن.» فقال: «والله لا نزلت ولا ركبت،
27
وما علي أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله ...» وعند الرجوع قال لأسامة: «إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل.»
28
فأذن له، ثم أوصاهم فقال: «لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلوا
29
ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا وتحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له.» إلخ، وأوصى أسامة بما أمر به
صلى الله عليه وسلم .
30
وعندما جاء عمرو بن العاص لفتح مصر بعث إلى المقوقس عظيم القبط وعاهل الروم على مصر الوسطى وفدا تحت رئاسة زنجي اسمه عبادة بن الصامت
31
ليتخابر معه في شأن الصلح، فلما قدم الوفد على المقوقس تقدم عبادة في صدر أصحابه، فهابه المقوقس لسواده وعظم جثته، وقال: «نحوا عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني.» فأجابوا: «إن هذا أفضلنا رأيا وعلما، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره، وأمرنا أن لا نخالف رأيه وقوله.» فقال المقوقس: «وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم؟» فقالوا: «كلا، إنه وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعا وأفضلنا سابقة، ورأيا وعلما، وليس ينكر السواد فينا.» وحينئذ أذعن المقوقس لسماع أقواله وطلباته.