18
ثم قوى ذلك أيضا بحكم صريح؛ إذ نهى عن التمثيل بالعبيد، وأوجب العتق على من فعل ذلك، فقد روى لنا ابن جريج أن زنباعا وجد غلاما له مع جارية له فجدع أنفه وجبه،
19
فأتى النبي
صلى الله عليه وسلم
فقال: من فعل هذا بك؟ قال: زنباع، فدعاه النبي
صلى الله عليه وسلم
فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: كان من أمره كذا وكذا. فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم (للغلام): اذهب فأنت حر. فقال: يا رسول الله، فمولى من أنا؟ فقال: مولى الله ورسوله.
وليتأمل القارئ إلى سؤال المجدوع (مولى من أنا؟) حتى يقف على مقدار أهميته التي لا يراها الإنسان لأول وهلة، فإن الإجابة التي أجابه بها عليه الصلاة والسلام هي تعهد أخذه على نفسه بالقيام بمئونة المعتوق إذا لم يستطع نوال ما فيه سد رمقه، ولذلك لما قبض عليه الصلاة والسلام جاء مولى الله ورسوله إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: «وصية رسول الله
صلى الله عليه وسلم .» فقال: «نعم، تجري عليك النفقة وعلى عيالك.» فأجراها عليه وعلى عياله حتى قبض، فلما استخلف عمر رضي الله عنه جاءه فقال: «وصية رسول الله
صلى الله عليه وسلم .» قال: «نعم، أين تريد؟» قال: مصر، قال: فكتب عمر إلى صاحب مصر أن يعطيه أرضا يأكلها.
20
وقد كانت رعاية الرقيق والعناية بشأنه بالغتين أقصى درجة الشفقة والمرحمة، فقد قال ابن عمر: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول: «من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته عتقه.» وفي مذهب أبي حنيفة
21
رضي الله عنه أن الحر يقتل بالعبد، وظاهر حديث ابن عمر أن الضرب واللطم يقضيان العتق من غير فرق بين القليل والكثير والمشروع وغيره، ولم يقل بذلك أحد من العلماء، فهل يستنبط من ذلك أنه لا يجوز مس العبد مطلقا؟ كلا، فقد دلت الأدلة وأجمع العلماء على أنه يجوز للسيد أن يضرب عبده لا للتمثيل به بل لتربيته وتأديبه، ولكنه لا يجوز له على كل حال أن يجاوز به عشرة أسواط.
ولكن هناك حالة يجوز فيها ضرب العبد، وهذا إذا قصر في أداء واجباته الدينية، فقد قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «اضرب عبدك إذا عصى الله، واعف عنه إذا عصاك.» أو كما قال.
نعم كان النبي
صلى الله عليه وسلم
يكثر من وصاية أتباعه بالعفو عن الرقيق، فقد روى ابن عمر أن رجلا جاء إلى النبي
صلى الله عليه وسلم ، فقال له: إلى كم أعفو عن عبدي؟ فلم يجبه عليه الصلاة والسلام بشيء، فأعاد عليه السؤال مرة ثانية وثالثة، ولم يجبه
صلى الله عليه وسلم
بشيء، ولما سأله المرة الرابعة صاح في وجهه وقال: اعف عن عبدك سبعين مرة في كل يوم إذا أردت نوال الأجر والثواب. أو كما قال.
22
وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن تحقير العبد والاستهانة به بتذكيره ما هو فيه من الاستعباد، فقد جاء عن أبي هريرة أنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا يقل أحدكم عبدي، أمتي، وليقل فتاي، وفتاتي وغلامي.» وقد استند أبو هريرة على هذا الحديث، فقال رضي الله عنه: «لا تقل عبدي لأننا كلنا عبيد الله.» ورأى رضي الله عنه رجلا على دابته وغلامه يسعى خلفه، فقال له: «احمله خلفك يا عبد الله، فإنما هو أخوك، وروحه مثل روحك.»
وقد جاء في كلام الإمام علي
23
كرم الله وجهه ما هو خليق باسمه من العلو والسمو وجدير به من كرم الأخلاق وحسن الشمائل، فقد قال: «إني لأخجل من نفسي إذا استعبدت رجلا يقول الله ربي.» أليس هذا الكلام صادرا عن نفس زكية أبية؟!
وقد أوصى عليه الصلاة والسلام المولى بأنه إذا أتاه خادمه (حرا أو عبدا، ذكرا أو أنثى) فليجلسه معه ليأكل، أو فليناوله لقمة أو لقمتين. أو أكلة أو أكلتين، فهلا يرى المنصف في ذلك سعيا في أحكام التقريب، واستكمال الاتصال بين السيد ومولاه؟!
وقد ورد الشرع الشريف بالحث على تعميم التربية والتعليم ونشر أنوارهما وفوائدهما في كل مكان، على كل إنسان، لا يستثنى من ذلك الأرقاء ولا العبدان، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «من كانت له جارية فعلمها وأحسن إليها وتزوجها كان له أجران في الحياة الأخرى: أجر بالنكاح والتعليم، وأجر بالعتق.»