تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفرع الثاني: في معاملة الرقيق

إن ما امتازت به الهيئة الاجتماعية في بلاد المشرق هو أنها بقيت على حالها التي كانت عليها،

10

فالعبد هو على الخصوص خادم يعتبر كفرد من أفراد العائلة التي هو فيها، فهو أقرب إلى مولاه من الخادم عند أهل أوربا.

ولا يكاد الإنسان يجد عند المسلمين ذلك الحد الفاصل الذي يجعل بين السيد وبين عبده بونا عظيما، وفرقا جسيما، فليس الاسترقاق موجبا لشيء من الهوان والصغار، كما أن الرقيق ليس من الذين سقطوا عن درجة الاعتبار، وحل بهم العار، فلفظتهم الجمعية الإنسانية واعتبرتهم خارجين عن دائرتها، بل تجب معاملته بالرفق واللين، فقد ورد في الكتاب المبين:

وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل

11

وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا - أي متكبرا على الناس من أقاربه وأصحابه وجيرانه وغيرهم ولا) يلتفت إليهم) -

فخورا - أي يتفاخر عليهم بما أتاه الله. (سورة النساء 4 - آية 36).

ومن تأمل في الشريعة رأى فيها ما يدل على شدة الرغبة في تخفيف الحد والعقوبة التي تصيب الأرقاء، قال تعالى:

فإذا أحصن - أي: الفتيات المؤمنات -

فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب (سورة النساء 4 - آية 25).

12

فيالله تلك العناية بهذه الطائفة المستضعفة!

ومن نظر إلى الأحاديث النبوية الشريفة رآها مشوبة بالتعطف والحنان.

انظر إلى ما رواه الإمام علي كرم الله وجهه عن النبي

صلى الله عليه وسلم : «اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم»، وعن طريق أم سلمة: «اتقوا الله في الصلاة وفيما ملكت أيمانكم»، تر أن مراقبة المالك لله سبحانه وتعالى وخشيته منه في معاملة عبده مجعولتان بمنزلة المراقبة والخشية المفروضتين عليه في القيام بواجب الصلاة، وهي عماد الدين ومن أهم أركان الإسلام.

وفضلا عن ذلك فقد روي أنه

صلى الله عليه وسلم

كان يقول في مرضه: «الصلاة وما ملكت أيمانكم.» وكانت هذه آخر كلمة نطق بها قبل وفاته عليه الصلاة والسلام.

13

وقد جاء في الحديث الشريف ما فيه زيادة التصريح والتعريف؛ فقد روى ابن عمر عنه

صلى الله عليه وسلم

أنه قال: «اتقوا الله في الضعيفين: المملوك والمرأة.» وفي الأثر الكريم: «لقد أوصاني حبيبي جبرائيل

14

بالرفق بالرقيق، حتى ظننت أن الناس لا تستعبد ولا تستخدم.» أو كما قال.

فهل يصح في شرع العقلاء بعد وقوفهم على هذه الشعائر الغراء أن يتهموا الديانة الإسلامية السمحاء بالتوحش والهمجية؟!

وليس هذا ما في وسعناه إيراده، فقد ورد عن صاحب ديننا الحنيف القويم أنه قال: «إخوانكم (أي مماليككم إخوانكم) خولكم (بفتح الخاء المعجمة والواو، أي خدمكم؛ لأنهم يتخولون الأمور، أي يصلحونها، ومنه الخولي لمن يقوم بإصلاح البستان أو التخويل التمليك) جعلهم الله تحت أيديكم (أي ملككم إياهم) فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس (أي من جنس كل منهما، والمراد المواساة لا المساواة من كل وجه نعم، الأخذ بالأكمل وهو المساواة - كما فعل أبو ذر - أفضل

15

فلا يستأثر المرء على عياله وإن كان جائزا، قال النووي:

16

يجب على السيد نفقة المملوك وكسوته بالمعروف بحسب البلدان والأشخاص، سواء كان من جنس نفقة السيد أو فوقه، حتى لو قتر على نفسه تقتيرا خارجا عن عادة أمثاله؛ إما زهدا أو شحا، لا يحل له التقتير على المملوك وإلزامه بموافقته إلا برضاه )، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم عليه»؛ لأنه ورد في حديث آخر: «إن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم.»

17

وقد ثبت الرسول

صلى الله عليه وسلم

هذه الأقوال الجميلة المستعذبة بقوله

صلى الله عليه وسلم : «لا يدخل الجنة خب ولا متكبر ولا خائن ولا سيئ الملكة.»

الرق في الإسلام · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الرق في الإسلامص ١٤