تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومتى قبل الكفار بأحد هذين الشرطين، وفاهم المسلمون عهودهم وأنجزوا معهم وعودهم، ولم ينحرفوا قط عن هذا السير المحمود، وكانوا يعاملون المغلوبين المكسورين باللطف والمجاملة، وشاهدنا على ذلك ما فعله الخليفة عمر بن الخطاب

2

رضي الله عنه في بيت المقدس

3 (مدينة أورشليم) فإنه لم يرض بالدخول في هذا البلد الحرام إلا بفئة قليلة من أصحابه، وطلب إلى البطريرك صفرنيوس أن يرافقه في زيارته لجميع الأماكن الدينية المقدسة، ثم أعلن الأهالي بأنهم في أمان تام، وأن أموالهم وكنائسهم ستكون محفوفة بالرعاية والاحترام، وأن المسلمين لن يصلوا في الكنائس النصرانية.

ولكن الحرب كانت هي الحكم الوحيد إذا أبى الكفار الرضوخ للشروط التي يقترحها المسلمون، فإذا دارت الدائرة على الكفار صاروا في هذه الحالة فقط أرقاء للغالبين، بعد أن يصرح الخليفة بذلك تصريحا خصوصيا.

ولكن ذلك لا ينبني عليه حرمانهم إلى الأبد من الرجوع إلى ربوع الحرية، فإن الحالة التي وقعوا فيها يمكنهم التخلص منها، لأن أبواب الرحمة لا تزال مفتوحة لهؤلاء المساكين؛ إذ يجوز لهم أن يفتدوا أنفسهم بدفع مبلغ معين، كما أن للخليفة أن يطلق سراحهم لوجه الله تعالى، فقد ورد في القرآن الشريف، خطابا للرسول عليه الصلاة والسلام:

فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها

الآية (سورة محمد 47 - آية 4).

فمن ذلك تتضح ضرورة مراعاة هذه القواعد التي بسطناها، حتى يتيسر استرقاق الإنسان، ومن خالف ذلك وهو عالم متعمد ارتكب إثما عظيما، واستحق جزاء شديدا، فقد ورد عن أبي هريرة

4

رضي الله عنه عن النبي

صلى الله عليه وسلم

أنه قال: «قال الله: ثلاثة (من الناس) أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي (أي أعطى العهد باسمي) ثم غدر، ورجل باع حرا، فأكل ثمنه (وفي حديث عبد الله بن عمر

5

عن أبي داود:

6

ورجل اعتبد محررا)، ورجل استأجر أجيرا، فاستوفى منه (العمل) ولم يعطه أجره.»

وفضلا عن ذلك فقد كان المسلمون يرجعون في النادر إلى ما خوله لهم دينهم من الحق في استعباد أسارى الحرب، وكانوا يكتفون بضرب الجزية عليهم.

فمن ذلك أن النبي

صلى الله عليه وسلم

صالح نصارى نجران

7 (قريبا من اليمن) على جزية سنوية قدرها ألفا ثوب، وكذلك صالح الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه نصارى بني تغلب على جزية فرضها على كل رجل منهم توازي ضعف ما كان مضروبا على كل رجل من المسلمين، ولم يخرج عمرو بن العاص

8

رضي الله عنه في مصر عن هذه الجادة الحميدة، فإنه اقترح على السكان أن يبقى لهم كمال حريتهم الدينية، وإقامة العدل بالقسط والإنصاف من غير ما غرض ولا تشيع، وعدم انتهاك حرمة المنازل والأملاك، واستبدال الضرائب الفادحة غير العادلة التي فرضها ملوك الروم بجزية سنوية قدرها ديناران (15 فرنكا)

9

على كل واحد منهم.

وفي أيامنا هذه نرى الحكومات الإسلامية تعامل أسارى الحرب بمقتضى أصول قانون الملل، ولا تجري عليهم أحكام الشريعة الدينية.

فظهر مما تقدم بيانه أن الاسترقاق عند المسلمين ليس له إلا مصدر ومنشأ واحد، وهذا المصدر يحصره في حدود ضيقة مع أن مصادره ومنابعه عند الأمم الأخرى كانت كثيرة متنوعة.

ففي رومة مثلا كان الاسترقاق يصيب أسارى الحرب، وأولاد الأرقاء والأشخاص الذين قضت بعض أحكام القانون باستعبادهم، ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أن النخاسين لم يصاحبوا قط الجيوش الإسلامية لسرقة أولاد المغلوبين واستعبادهم وتعريض نسائهم للعساكر لأجل قضاء الأوطار منهم، كما كان ذلك حاصلا في رومة.

فإن الديانة المحمدية لم تسمح قط بارتكاب أمر فظيع مثل هذا؛ ولذلك يحكم العقل بداهة بأن لا صحة لقول من يزعم بأن نصوص الدين الإسلامي الشريف تؤيد وتبرر ما هو حاصل على قولهم في أواسط أفريقيا، من اصطياد الرقيق ومعاملتهم بالبشاعة والشناعة والفظاعة، فإن هذا الدين قد جاء بالعرف والنهي عن المنكر كما لا ينكر.

الرق في الإسلام · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الرق في الإسلامص ١٣