تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

زعماء القبائل وهددوه وتوعدوه لاستنكافهم ترك ما تتوق إليه أنفسهم من الاستقلال، وكراهتهم لكل سلطان يكون عليهم لرسول قد بعثه الله عز وجل.

وبهذا يتضح ما كان عليه هياج الأفكار، وثورة الخواطر في تلك الأيام، وحينئذ نقول: لما كان النهي عن أمر ألفته الطباع أعواما بل أجيالا، واعتادته الأخلاق حتى امتزجت به مما يزيد في ذاك الهياج وتلك الثورات، فلا ينطبق بالضرورة على قواعد الحكمة والتدبير، ولا يوافق المصلحة والنظام، لم تأمر الديانة الإسلامية بإلغاء الاسترقاق مرة واحدة، ولكنها لم تقره على ما كان عليه، لأن أصولها العمومية لم تكن لتنطبق على ما كان جاريا في ذلك العهد، فعملت على إنضاب منبعه، وتقليل أثره من الوجود، وحصره في حدود ضيقة على وجه يخالف تماما ما كان عليه في تلك الأيام.

قال العلامة جوستاف لوبون في كتابه الذي سماه «تمدن العرب» ما تعريبه: «إن لفظة الرق إذا ذكرت أمام الأوربي الذي اعتاد تلاوة الروايات الأمريكية المؤلفة منذ نحو ثلاثين سنة من الزمان ورد على خاطره استعمال أولئك المساكين المثقلين بالسلاسل المكبلين بالأغلال، المسوقين بضرب السياط، الذين لا يكاد يكون غذاؤهم كافيا لسد رمقهم، وليس لهم من المساكن إلا حبس مظلم، وإني لا أقصد أن أتعرض هنا للبحث عن صحة هذا الوصف وانطباقه حقيقة على ما كان واقعا من الإنكليز في أمريكا منذ سنين قليلة، وعما إذا كان من الأمور المحتملة أن مالك الأرقاء قد قام بفكره أن يسيء معاملتهم، ويذيقهم العذاب والهوان، بما يكون فيه تلف لبضاعة غالية مثل ما كان الزنجي في ذلك الزمان، أما الحق اليقين، فهو أن الرق عند الإسلاميين يخالف ما كان عليه عند النصارى تمام المخالفة.»

إلا أن الإسلام قد ابتدأ بتقرير هذه القاعدة:

إن المسلم المولود من أبوين حرين لا يجوز استرقاقه في أي حال من الأحوال.

ولعمري، إن في هذه القاعدة مزية كبرى وفائدة عظمى، لأنها تخرج من هذا الظلم الفاحش المهين قسما عظيما من العائلة البشرية.

وهذه القاعدة هي - والحق يقال - مفتاح لحل المسألة المعضلة التي حق للعالم المتمدن أن يشتغل بها في هذا الزمان.

أفلا تسعى الدول الأورباوية في البحث عن الطرق الفعالة التي يكون بها إلغاء النخاسة؟ إذا كان ذلك كذلك، فلعمري إنها ما عليها إلا أن تساعد مصر التي هي عنوان فخار الإسلام في أفريقيا على نشر التمدن، وبث الحضارة بين قبائل هذه القارة بواسطة الديانة الإسلامية، ومتى صار أولئك الوثنيون الفتشيون

1

مسلمين تلاشت النخاسة من نفسها، وبطبيعتها، حيث إن الاسترقاق لا يجوز بين أهل هذا الدين، بل قد ورد في القرآن الشريف نهي لهم عن مقاتلة بعضهم بعضا قال تعالى:

وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (سورة الحجرات 49 - آية 9).

الفرع الأول: في منبع الاسترقاق

الحرب هي المنبع الوحيد للاسترقاق، ولكن لا على إطلاقه، بل ذلك مقيد بشرطين: أحدهما أن تكون الحرب قانونية منتظمة، والآخر أن يكون القتال مع القوم الكافرين.

قال الله عز وجل في كتابه المنزل على نبيه المرسل:

قاتلوا - أي: قتالا قانونيا -

الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله - يعني الخمر والميسر -

ولا يدينون دين الحق - لا يدينون بدين الإسلام -

من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية - إن لم يسلموا - الآية (في هذه الآية تمييز بين الوثنيين والكتابيين).

ولذلك كان المسلمون قبل أن يفتحوا بلدا من البلدان يبعثون إليها وفودا للمداولة في شأن الصلح، ويقترحون أمورا تكاد تكون واحدة في كل البلدان والأقطار، وذلك أنهم يقولون ما معناه: «قد أمرنا رئيسنا بقتالكم إذا لم تقبلوا شريعته، فكونوا منا تكونوا إخوانا لنا، واتبعوا ما فيه صالحنا، واقتدوا بشعائرنا حتى لا يمسكم سوء منا، فإن لم تفعلوا فادفعوا لنا جزية سنوية في مواقيت معينة ما دمتم على قيد الحياة، ونحن نقاتل كل من يريد أن يلحق بكم ضيرا أو ضررا، وكل من يعاديكم بأي وجه من الوجوه، ونحافظ على محالفتكم بالصدق والأمانة، فإن أبيتم هذا أيضا، فليس بيننا وبينكم سوى الحرب، ولا نزال نصلي عليكم نار الوغى حتى نتمم ما أمرنا به الله عز جل.»

الرق في الإسلام · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الرق في الإسلامص ١٢