فلما كانت سنة 1268 انتظم في سلك رجال المعية السنية، برتبة القائممقام وبصفة ياور بمعية عباس الأول، وهنالك ارتقى (5 صفر سنة 1269) إلى رتبة الميرالاي وبوظيفة مهردار لوالي مصر المشار إليه، وكان ذلك كله في مدة لا تزيد عن أربع سنوات وسبعة شهور.
ومن ذلك العهد دخل الفتى رياض بك في الزمرة التي كانت تعرف في تلك الأيام باسم «الذوات الكرام»، وبلغت ماهيته 3480 قرشا صحيحا.
رأى فيه عباس الأول ما يؤهله لخدمة الأهالي، فأسند إليه مديرية الجيزة وأطفيح (11 صفر سنة 1270)، وبعد سنتين تدرج به في سلم الصعود بالصعيد، فانتقل مأمورا لإدارة الفيوم بمديرية بني سويف، ثم مديرا لقنا بماهية قدرها خمسون جنيها في الشهر، وعاد بعد ذلك إلى العاصمة حيث أسندت إليه وكالة المرور والسكة بمصلحة السكة الحديد، ثم تحرك منها سنة 1274 بصفة مأمور لإدارة نصف أول روضة البحرين، أعني الدلتا الحقيقية المحصورة بين فرعي النيل شرقا وغربا والبحر الأبيض المتوسط شمالا، وهي اليوم عبارة عن مديريتي المنوفية والغربية، والنصف الأول المذكور كان في اصطلاح ذلك الوقت عبارة عما نسميه الآن بمديرية المنوفية، ثم صدرت الإدارة السنية بجعله وكيلا لهذه المديرية، وبلغت ماهيته 75 جنيها، فبقي في هذه الوظيفة لغاية 4 جمادى الثانية سنة 1277، وحينئذ قلب له الدهر ظهر المجن، وتبدلت تلك المنن بالمحن، فبدأ رياض يعرف أن الأيام دول، وأن صفوها لا بد له من الكدر؛ فقد صدرت في ذلك اليوم إدارة سنية أكتفي بنقل صورتها بالحرف بغير تعليق عليها ولا شرح، لأنها كمرآة لأسلوب الإنشاء وروح النظام في ذلك العصر. وهذا نصها:
بحسب ما عاينا بأثناء المرور في هذه المرة من مدير روضة البحرين ووكيلها وناظر قلم دعاويها من الإهمال في رؤية المصالح والدعاوى وتشهيل اللوازم وخلافه مما يغاير إرادتنا ويوجب تغيير خاطرنا، فقد رفعت ذلك المدير الذي هو شاكر باشا وعينت قاسم باشا بدله، وعيناك وكيلا بدل رياض بك، وعينا مصطفى فرهاد بك ناظر قلم دعاوى، فيلزم بوصول أمرنا هذا إليكم تتوجهوا لمحل مأموريتكم وتبادروا في رؤية المصالح والأمور المختصة بوظيفتكم وأنتم وفرهاد بك تبذلوا جهدكم في أداء ما يتوجب عليكم وتتركوا التصدي لما لا يعنيكم ، لأن الفضول مما يمنع القبول، والحذر ثم الحذر، من سوء السلوك فمن بغيره اعتبر، وينصف وتبصر، فقد أخذ في أسباب نجاته، وتشبث بعلو درجاته.
حاشية، أما إذا رأيتم أن المسئولية والجزاء الذي كان ترتب على ما وقع منكم قبلا من الأمر المغاير لطبعنا قليلا وعدتم لمثل ذلك فالرأي لكم فيه فلزم التحشية لتأكيد الإيقاظ والتنبيه.
ولكن مدة هذا الغضب لم تطل، فقد حظي رياض بالرضا ثانية بعد شهور قليلة؛ فإن سعيدا والي مصر استعاده في معيته «لخدمة الكتابة» بإذن تاريخه 10 ذي القعدة سنة 1277، حتى جاءت سنة 1279 فأنعم عليه برتبة المير ميران وجعل ماهيته مائة جنيه مصري في الشهر، بعد أن كان منذ خمسة عشر عاما مبيضا لا يتقاضى في الشهر جنيها واحدا ونصف جنيه.
حتى إذا كانت سنة 1281 صدر الأمر العالي بتعيين رياض باشا عضوا في مجلس الأحكام. وهذا المجلس يماثل ما نسميه الآن بمحكمة النقض والإبرام. ثم أحيلت إلى عهدته نظارة «أمور خاصة خديوي»، أعني الخاصة الخديوية حسب العرف المألوف في أيامنا هذه، بسبب السيادة التي بدأت تعود إلى اللغة العربية.
وانتقل رياض باشا إلى وظيفة مهردار إلى 11 شوال سنة 1284.
فغضب عليه إسماعيل وأصدر للمالية إدارة سنية مختصرة باللغة التركية هذه ترجمتها الرسمية:
بحسب الإيجاب قد صار رفعة رياض باشا مهردارنا سابقا من معيتنا، فلأجل إجراء إيجاب ذلك بالمالية لزم الإشعار.
ولا عجب في هذا الغضب؛ فمواقف رياض مع إسماعيل أشهر من نار على علم، ولكن رياض باشا إن كان يرفض الخدمة لأقل سبب، فإن مولاه كان في حاجة ماسة إلى مثله؛ فلذلك اضطر إسماعيل لإعادته إلى حظيرته، وأسند له في معيته وظيفة كانت تسمى «خزينه دار»، فجعل صاحب الترجمة عنوانها «خازن خديوي» ترجيحا للغة العربية التي كانت قد أخذت تنازع التركية وتسترد منها مكانتها في الرجحان، وكان ذلك في سنة 1286، ولكن ماهيته نزلت إلى 60 جنيها، ولم يكن صاحبنا من عباد المال وإنما كانت كل أمانيه ترمي إلى خدمة الأوطان بغير نظر إلى قيمة الأجر الذي يتناوله في آخر الشهر.