وفي سنة 1287 نال رتبة الروم ايلى بكلر بكى، وزادت ماهيته 75 جنيها (وهو مرتب الرتبة المذكورة)، وأرسله إسماعيل في مهمة سياسية إلى مقر السلطنة بالقسطنطينية.
فلما عاد منها صدر الأمر العالي بتعيينه مستشارا لرياسة المجلس المخصوص (وهو الذي خلفه مجلس النظار في النظام الحديث للحكومة المصرية إلى هذا العهد الحاضر). وصار مرتبه 125 جنيها، ومن هذه الوظيفة ارتقى إلى وظيفة مدير المدارس والأوقاف 22 رجب سنة 1290، وانضمت إليه وظيفة مستشار الداخلية ورياسة المجلس الحسبي أيضا في السنة التالية، ثم صار ناظرا للخارجية فالزراعة (وكانت هذه النظارة قد أنشئت في سنة 1292)، فالحقانية (ومن ذلك العهد أضيفت على ماهيته مصاريف للضيافات والجمعيات وقدرها 125 جنيها في الشهر، فبلغ مجموع ما يتناوله 250 جنيها)، فالمدارس فالتجارة فالزراعة (وصارت ماهيته 250 جنيها في الشهر). وكانت هذه الدواوين تابعة للمعية مباشرة، على غير النظام المعهود الآن في مجلس النظار، فإنه لم يتأسس إلا في سنة 1878 ميلادية.
وهنا مجال لاستطراد لا أراه خارجا عن الموضوع؛ لأن رياض باشا هو عبارة عن صحيفة كبيرة من تاريخ مصر الحديث، بل قد كانت له اليد الطولى والباع الكبرى في تحويل نظام الإدارة المصرية ووضع كثير من القواعد التي جرى عليها نظام البلاد الجديد.
كانت إدارة الحكومة في مصر منوطة بالخديو رأسا، وإنما يعاونه (إن صح التعبير) جماعة من أرباب المناصب العالية، كالذوات الكرام، على اصطلاح تلك الأيام، وقد وضعهم الخديو على رءوس الدواوين، ومرجع كل واحد منهم إليه مباشرة وبصفة فردية أي بغير اجتماع وبلا تضامن. وعند حلول الخطوب، كان الخديو يستشير هيئة تتألف من أولئك الرؤساء ومن غيرهم، وتلك الهيئة هي التي كانت تسمى بالمجلس المخصوص، وفي هذه التسمية بيان كاف لمعرفة المسمى ومقدار سلطته الفعلية، فكان هذا المجلس يتألف من نظار الدواوين ورؤساء بعض المصالح الكبيرة ومن بعض أعضاء آخرين يكونون فيه بمثابة وزراء بلا مساند: “Ministres sans portefeuille”
كما كان الحال إلى عهد قريب في بعض بلاد أوروبا وفي الدولة العلية العثمانية.
وكان رياض باشا في جملة أولئك «الذوات الكرام» بصفة ناظر للحقانية سنة 1876 / 1293 هجرية.
وربما كان من المفيد بيان هذه الهيئة الرسمية بالتفصيل:
ناظر المالية
إسماعيل صديق
ناظر الحقانية
مصطفى رياض
ناظر الخارجية
ناظر التجارة والزراعة
إسماعيل أيوب
رئيس مجلس الأحكام
محمد ثابت
رئيس شورى النواب
عبد الله عزت
سردار عسكرية
رئيس مجلس حسبي مصر
أحمد رشيد
محافظ مصر
عمر لطفي
محافظ إسكندرية
حسن راسم
ناظر داخلية
محمد توفيق - أي ولي العهد
ناظر جهادية
حسين كامل - شقيقه
ناظر بحرية
ناظر الأشغال
إبراهيم
ناظر المعارف والأوقاف
منصور يحيى
مستشار الأشغال
علي مبارك
أما الأعضاء الذين بلا مسند فكانوا أربعة، وهم: شاهين كنج، وعبد اللطيف، وجعفر صادق، والسيد أبو بكر راتب.
وما زالت الحال تجري على هذا المنوال إلى أن تداخلت أوروبا في شئوننا الداخلية لضمان الديون التي جرها التبذير والإسراف. فرأى إسماعيل أن الأزمة التي تورط فيها العرش لا دواء لها إلا بالتنازل عن سلطة الفرد، فأصدر باللغة الفرنسية في 28 أغسطس سنة 1878/غرة رمضان سنة 1290 أمرا عاليا إلى نوبار باشا بتشكيل مجلس النظار. ولما كان هذا الأمر الكريم هو الأساس الجوهري والقاعدة الأولى للنظام الحديث، فقد رأيت من الواجب ذكر مقدمته وخاتمته في هذا المقام، نقلا عن ترجمته العربية الرسمية القديمة. وما ذلك إلا لأن رياض باشا كان له اشتراك مهم في وضع هذا الأساس، ولأنه تولى مقاليد نظارة الداخلية في هذه الهيئة الجديدة.
قال إسماعيل:
إنني أطلت الفكر وأمعنت النظر في التغييرات التي حصلت في أحوالنا الداخلية والخارجية الناشئة عن تقلبات الأحوال الأخيرة وأردت في وقت مباشرتكم لمأمورية تشكيل هيئة النظارة الجديدة التي فوضت أمرها إليكم أن أؤكد لكم ما توجه قصدي إليه وثبت عزمي عليه من إصلاح الإدارة وتنظيمها على قواعد مماثلة للقواعد المرعية في إدارات ممالك أوروبا.