وأما الثاني فهو شريف. تقلد رياسة الوزارة أربع مرات: الأولى من 7 أبريل سنة 1879 / 15 ربيع الثاني سنة 1296 إلى أن تنازل إسماعيل، والثانية متممة للأولى من 3 يوليو سنة 1879 / 14 رجب سنة 1296 إلى 21 سبتمبر سنة 1879 / 5 شوال سنة 1296، والثالثة من 9 سبتمبر سنة 1881 إلى 4 فبراير سنة 1882، والرابعة من 21 أغسطس سنة 1882 إلى 6 يناير سنة 1884. وفي ذلك العهد طلق الحكومة بتاتا بمناسبة انفصال السودان عن مصر. ولم يرجع للوزارة بعد ذلك إلى أن وافاه القدر المحتوم، وأعظم وجوه الشبه بينه وبين نوبار أنه لم يدخل في الوزارة إلا بصفة رئيس، وأما الفروق فكثيرة. وقد بلغت مدته فيها 28 شهرا ونصف شهر بالتقريب.
أما رياض فقد انتظم في سلك وزارة نوبار الأولى سنة 1877، ثم تقلد رياسة الوزارة للمرة الأولى في السنة التالية، ولم تأنف نفسه من الاندماج في زمرة الوزارة الأخيرة التي ألفها شريف (وإن كان انفصل منها بعد شهرين). ولكنه لم يرض بالاشتراك في الوزارتين اللتين ألفهما بعد ذلك نوبار، استلم رياض زمام الرياسة وبلغت مدته في الوزارة 11 شهرا، وفي الرياسة 74 شهرا.
على هذا المنوال، بقي الثلاثة رجال، يخلف بعضهم بعضا في الهيمنة على شئون مصر، إلى أن روعنا الزمان، بتهدم أحد الأركان، فتداعى ذلك المثلث عندما درج إلى ربه الوزير الشريف. ذهب بعد أن أبلى البلاء الحسن في خدمة الأمة والوطن، ذهب بعد أن أفاد وما استفاد. بلى إنه استفاد أكبر منقبة تصبو إليها النفوس العالية؛ فإنه شاد لنفسه تمثالا معنويا في فؤاد البلاد، وسيبقى اسمه الشريف كتميمة يحتفظ بها كل مصري صميم، ما دام النيل يجري من ينابيعه إلى الأشاتيم.
ثم هوى بعده ذلك النجم السيار الذي كان مصباحا مصاحبا لنوبار، وللرجل حسنات كبار، ولكنه بقدر ما أفاد قد استفاد، وربما زاد. لذلك عرف آله وذووه حقه عليهم، فصنعوا له تمثالا أجلسته البلدية في إحدى الحدائق العمومية بثغر الإسكندرية.
وأما شيخ الوزراء رياض، فكان فينا البقية الصالحة، والقدوة النافعة، وهو الآن في قبره ونحن من حوله، فعسانا نستفيد من موته كما كانت مصر قريرة العين به في أيام حوله وطوله.
من هو رياض؟
سؤال إذا وجهته إلى أهل هذا الجيل من أبناء النيل، ولو ألقيته على الأجانب في المشارق والمغارب ، لأجمع الكل بلسان واحد أن رياضا هو والعبقري شيء واحد. وذلك لأن الملأ أجمعين لا يعلمون عن رياض إلا أنه السيد، وأنه الكامل من كل شيء. ولعمري إن ذلك هو عين اليقين؛ فقد مضى على هذا العبقري ثلث قرن وهو منقطع القرين!
ولكن كيف وصل إلى هذه السيادة؟ - بالجد والإقدام، وبالترفع عن الدنايا ظاهرا وباطنا، وبالإخلاص في خدمة الأمة والوطن.
ولو أننا أردنا أن نتعرف السبب في تلك الجلالة التي كانت له في النفوس، وفي ذلك السلطان الذي امتلك به القلوب، لرأينا الأمر بسيطا وطبيعيا، ولعلمنا أنه في مقدور كل إنسان - إذا صدق في الإرادة وصدق في العمل - أن يجاري هذا الذي رحل. وكل من سار على الدرب وصل.
فذلك السر مما يستوجب الإذاعة، في هذه الساعة؛ فقد دخل الرجل في القبر وبقيت أعماله نبراسا لطلاب البراعة بين الجماعة.
ذلك أن رياضا تدرج في سلم الوظائف والأعمال، من أدناها إلى أقصاها، فكان عليما بكل الشئون، ضليعا مضطلعا بجميع الأمور.
دخل الفتى رياض أفندي في خدمة الحكومة المصرية بوظيفة مبيض في مجلس العموم بديوان المالية في 11 صفر سنة 1264 بماهية قدرها 145 قرشا صحيحا، ولاحت عليه مخايل النجابة وملامح الاستعداد، فارتفعت ماهيته بعد ستة شهور إلى 193 قرشا صحيحا و13 بارة. وكانت هذه الزيادة في نظير تكليفه بعمل آخر وهو قيد الخلاصات. ثم صدر الأمر بإلغاء ذلك المجلس فخرج فتانا من الخدمة في 10 ربيع الأول سنة 1265، ولكنه بعد شهرين ونصف توصل للدخول في المعية السنية للتبييض والقيد بماهيته المذكورة، فلم يأت الثاني من ربيع الأول سنة 1266 حتى انفصل من الخدمة وعاد إلى الفراغ، ولكن يوما واحدا؛ لأنه انتظم في اليوم الثالث في سلك عساكر الموسيقى برتبة الملازم، فقام بهذه الخدمة الجديدة خير قيام جعله أهلا لنيل رتبة اليوزباشي بعد شهرين اثنين، ثم ارتقى إلى رتبة الصاغ قول، ثم إلى رتبة البكباشي في بحر سنتين، كل ذلك في خدمة الموسيقى العسكرية.