نحن خديو مصر
لما كانت اللغة العربية هي لغة البلاد وكان من الواجب جعلها أساسا للتعليم في مدارس الحكومة وتقديمها على كل لغة أخرى.
فبناء على ما عرضه علينا ناظر المعارف العمومية وموافقة رأي مجلس النظار، أمرنا بما هو آت:
المادة الأولى:
يجب أن تكون بروجرامات المدارس الأميرية محتوية على أكثر ما يمكن من المواد لتعليم اللغة العربية حتى تتأتى معرفتها معرفة تامة أكيدة.
المادة الثانية:
لا تعطي نظارة المعارف العمومية شهادة الدراسة الابتدائية أو الثانوية أو الشهادة النهائية من أي نوع كانت إلى أحد الطلاب، مهما كانت معارفه في المواد الأخرى، إلا إذا كانت معرفته باللغة العربية مستوفاة للشرائط المنصوص عليها في بروجرامات الحكومة الرسمية.
المادة الثالثة:
على ناظر المعارف العمومية تنفيذ أمرنا هذا.
صدر بسراي رأس التين في 8 ذي الحجة سنة 1310 / 22 يونيه سنة 1893.
عباس حلمي
أفلا يصح لنا بعد تلاوة هذا الأمر العالي أن نترحم على رياض وهذه أعماله، وهذه خطته، وهذا حبه للغة العربية التي تفانى في إعلاء كلمتها من أول وقوفه في ميدان السياسة والإدارة إلى آخر لحظة في حياته ؟
فنم يا رياض، نم مستريح البال قرير العين! فأمنيتك قد أخذت تتحقق قليلا قليلا، بفضل مولاك ومولانا العباس، وبفضل حكومته السعيدة الرشيدة. فعباس هو الذي عاونك على وضع الأساس، وهو الذي سيعاون خلفاءك في تشييد هذا البناء، لمجد مصر ولفخر الشرق. وإن غدا لناظره قريب.
يذكرني رياض برجل من رجالات الأندلس، في أواخر القرن الثاني للهجرة.
هذا الرجل كان آية في الجمال حتى سماه الناس وعرفه التاريخ باسم الغزال هذا إلى البراعة في العلم والحكمة، والهيام في وديان الحقيقة والخيال. خدم يحيى الغزال أمراء المسلمين في ذلك العهد أجل خدمة، سواء في ذلك الشئون الداخلية والمهام الخارجية. هذا الرجل، طالما حل المعضلات وأجاد في عقد المعاهدات وذهب سفيرا إلى ملوك النورمانديين في الشمال وإلى ملوك الروم بالقسطنطينية في الشرق. وكان مع إتقانه لغة العرب وولوعه بها وبراعته فيها، يجيد كثيرا من اللغات الأجنبية، وخدم خمسة من أمراء المسلمين إلى أن نيف على الثمانين. قال الغزال في بعض أراجيزه:
أدركت بالمصر ملوكا أربعه
وخامسا هذا الذي نحن معه
وهذا شأن رياض، فقد اشتهر بحسن الخلق والخلق، وامتاز بحب العلم وبمساعدة أهليه وطالبيه، وله القدح المعلى في خدمة مصر في الداخل وفي الخارج، وذهب إلى بلاد الشمال وإلى القسطنطينية بمهمات سياسية أفاد بها بلاده وأميره، وأتقن لسان العرب والأتراك والإفرنج، وخدم خمسة من ملوك مصر، وهم: عباس الأول، وسعيد، وإسماعيل، وتوفيق، وعباس الثاني مد الله في عمره. وقد مات رياض وكأن لسان حاله يقول:
خدمت مصرا وملوكا أربعه
وخامسا هذا الذي نحن معه
أراني أطلت في المقال، ولكن رياضا - كما قلت لكم - هو عبارة عن صحيفة كبيرة في تاريخ مصر الحديثة. وإنني وايم الله قد أغفلت كثيرا من مناقب الفقيد التي لا تفي بها إلا المجلدات الضخام.
ولو كان رياض في غير هذه البلاد لأقام الناس له تمثالا، كما أقام أهل نوبار، لنوبار. وما هو أحق منه بهذا الأثر المادي الذي يحدث الأجيال بفضل الرجال، ويتحدى الأبناء والأحفاد على التفاني في خدمة البلاد.
فهل يكون لهذا الصوت من صدى؟ وهل في البلد رجال يجيبون الندا؟ أم هل يذهب رياض هو أيضا سدى، مثل الغطاريف الذين سبقوه إلى عالم الردى؟ كلا ثم كلا إنني أمني النفس (والأماني لذة العيش) أن في السويداء رجالا وأن القوم سيتبارون كلهم عن بكرة أبيهم في تخليد أثر ذلك الذي وقف حياته على خدمتهم أجمعين.
فرجل كرياض، والرجال قليل، في بلد كمصر، عهده بالحرية قريب.
فرجل كرياض، يفاخر به النيل، ويحق له الفخر، في هذا العصر الجديد.