تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد تقلد رياض باشا نظارة الداخلية أيضا. وما زال يتقلدها بعد ذلك، كلما دعاه صاحب الأمر لرياسة مجلس النظار. وفي بعض الأحايين كان يضم إليها نظارتي المالية والمعارف العمومية، منفردتين أو مجتمعتين معا. وما ذلك إلا أنه كان أكثر من غيره خبرة ودراية بحاجات القطر الداخلية. وهذه أعماله وحياته كلها شاهدة له بأنه الفلاح وابن الفلاح وأبو الفلاح.

نحن في مقام لا يكفي فيه الكلام بطريق الإبهام. بل ينبغي لمثلنا في حق مثله أن يؤيد القول بالبرهان. ولما كان عمله الجليل كبيرا ولا يسعنا الإسهاب في الإتيان عليه، رأيت أن أتوسط في الأمر وأشير بنهاية الإيجاز إلى بعض أياديه على بلاده وأهليه.

فرياض هو الذي قوى دعائم مجلس النظار وجعل له سلطة فعلية حقيقية في إدارة شئون البلاد. وبهذه الوسيلة توصل إلى خدمة الأمة، خدمة تحفظها له القلوب وسيتحدث بها التاريخ.

فأول عمل انصرفت إليه همته هو النظر بعين الحكمة إلى مصدر الثروة في مصر، وهي أرضها. فأبطل الإنعام بالأطيان، لأنها ملك الأمة ولا يجوز لأحد أن يتصرف فيها بالهبة. وقد أوقف تنفيذ الأوامر التي كانت صدرت بهذا المعنى، مما لم يكن قد دخل في حيز الفعل (23 شوال سنة 1296 / 9 أكتوبر سنة 1879).

واستصدر في سنة 1894 أمرا عاليا بأن أرباب المعاشات والباشبوزوق الذين أعطيت إليهم أطيان لتعيشهم على شرط إعادتها لجانب الحكومة عند وفاة من يتوفى منهم عن غير زوجة ولا أولاد يكون له ولورثته حقوق الملكية التامة في الأطيان المذكورة، ولو لم يدفع المقابلة عنها، وأن الأطيان المعطاة للعربان ولم تدفع عنها المقابلة تكون ملكا صريحا للمعطاة إليهم الأصليين أو لورثتهم.

وهو الذي وضع القواعد لبيع أملاك الميري للأهالي (سنة 1297 / 1880).

وأنا أسرد أعماله في الحكومة أثناء وزاراته المتعددة مسرودة بحسب الموضوع لا بحسب التواريخ: (1) الثروة العقارية

رياض باشا هو الذي وضع أول لائحة للآلات الرافعة المعدة لري الأراضي وتجفيفها (5 رجب 1297 / 13 يونيو سنة 1880)، ثم استصدر قانونا للترع والجسور سنة 1890.

ثم استصدر قانونا للسكك الزراعية سنة 1890، وهي التي أفادت البلاد والمزارعين أيما فائدة. ولها الآن شأن كبير في تسهيل المواصلات ونقل المحصولات وتوطيد دعائم الثروة الأهلية في سائر أرجاء القطر.

ومما يجب ذكره في هذا المقام، أنه قرأ بنفسه في مجلس النظار هذا القانون مادة فمادة حتى أتى على الأربعين بغير ملل ولا كلل مع التمعن والتفكر في كل حكم من أحكامه.

ونظم المعاملات في حلقات الأقطان غاية شوال سنة 1296 / 16 أكتوبر سنة 1879. وها هي الشكوى عامة الآن بسبب رجوعها إلى الفوضى القديمة.

ومن مزايا هذا الفلاح على الفلاح، أنه وضع طريقة ثابتة لتحصيل ضرائب الأطيان في أوقات معينة. ورفع إلى الخديو تقريرا يبين له المضار التي تحيق بالفلاح من جراء اضطراره لوضع رقبته في قبضة المرابين. لعنهم الله!

وأين هذه المزية من تلك التي واصل السعي فيها حتى جعلها من الحقائق الملموسة باليد لكل إنسان إلى الآن، وأعني بذلك تسوية الأهالي بالأجانب في دفع الأموال الأميرية. فالأمر العالي المشهور باسم دكريتو (25 مارس سنة 1880 / 14 ربيع الآخر سنة 1297) هو من حسنات ابن الفلاح. ولو كنا في بلاد أخرى لسماه الناس قانون رياض. (2) أملاك مصر في الخارج

نظر الرجل إلى مسألة الأملاك الكائنة في الآستانة، وهي المعروفة بالساحلخانة. فسواها في مصلحة مصر ولفائدة الأمة. وقد كان بعض أعضاء العائلة الخديوية ينازعون في امتلاكها دون الحكومة المصرية (25 ذي الحجة سنة 1296 / 2 ديسمبر 1879). (3) باطن الأرض

نظر أبو الفلاح إلى أرض أجداده، فرأى أن يضم إلى العناية بها وبزرعها عناية أخرى بما في بطونها من كنوز الآثار القديمة، سواء كانت هيروغليفية أو عربية، أراد أن يستبقي للبلاد فخارها الفني فقرر «بأن كل شيء يتعلق بعلم الآثار القديمة مثل المومية والحفر والنقش القديم وبوجه الإجمال كافة الأشياء التي نوعها من نوع المحفوظات بالأنتيكه خانة ببولاق ممنوع تصديرها بالكلية، وكذلك الأشياء التي للمساجد والمعابد والأضرحة أو المأخوذة منها، تصديرها ممنوع بالكلية» (11 جمادى الأولى سنة 1297 / 20 أبريل سنة 1880).

كلمة على رياض باشا: وصفحة من تاريخ مصر الحديث تتضمن خلاصة حياته · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمة على رياض باشا: وصفحة من تاريخ مصر الحديث تتضمن خلاصة حياتهص ١٠