كان النقط في الأول بوضع نقطة فوق الحرف دليلا على الفتح، وإلى جانبه دليلا على الضم، وتحته دليلا على الكسر، وبوضع نقطتين دليلا على التنوين مع الحركة، وذلك في خلافة معاوية، ثم صار الناس يصحفون في الحروف المتشابهة، فرجعوا إلى تمييز بعضها من بعض بالنقط، واختاروا للفتحة ألفا صغيرة (ا)، ثم جعلوها مستقيمة (-)، ومثلها للكسرة من تحت، والضمة شبه واو صغيرة، وكذلك في الفتحتين والكسرتين والضمتين، وذلك في أيام الحجاج، ثم جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي واضع علم العروض فأتم بقية علامات الإعجام؛ أي الشكل أو الحركات، والظاهر من أصل كلمة إعجام أن هذه الحركات وضعت لهداية العجم إلى قراءة كلام العرب، وكان إذ ذاك النقط والإعجام واجبين في المصحف، أما في غيره فعند خوف اللبس؛ لأنهما ما وضعا إلا لإزالته، أما مع آمن اللبس فتركه أولى على ما ذهب إليه المتقدمون، وإن كنت أخالفهم في ذلك. لهذا السبب يرون النقط لذوي الفهم والإدراك معيبا مذموما في ذلك الزمان، ولكن الأحوال في زماننا تقضي بخلاف ذلك، ولكل زمن لوازم وحاج.
ولقد كان الكاتبون في الصدر الأول يغلطون في اليسير دون الكثير، ويصحفون في الدقيق دون الجليل لكثرة العلماء وعناية المتعلمين، فلما اضمحل الأمر، صار ما يصحفون فيه أكثر مما يصححون، وما يسقطون أكثر مما يضبطون. وإذا تدبر الإنسان وجد أن التصحيف من أكبر الآفات في اللغة العربية، فيكفي أن رجلا له مكانة يقرأ الكلمة على وجه آخر ليصبح هذا الوجه رواية ثانية أو قولا ثانيا، وهكذا وبهذه المثابة صارت الاختلافات اللغوية كثيرة في الكلمة الواحدة، فصارت كلمات ضم بعضها إلى بعض فأفعمت متن اللغة والأشعار والأحاديث ونحو ذلك، فكانوا في بعض الأحيان يتكلفون الكتابة بوضع النقط والإعجام، فكان ذلك يصعب عليهم؛ ولذلك كانوا إذا أغفلوا استقصاء هذه الشروط في الكلمة، تطرق إليها التصحيف بسهولة، فكان ذلك مدعاة للأخذ عن أفواه الرجال والحفظ في أعماق الصدور.
ولقد كان القرآن محفوظا في صدور الرجال وفي الرقاع
1
واللخاف
2
والعسب
3
والقضم،
4
فلما قتل معظم القراء يوم اليمامة ذهب عمر بن الخطاب، وله على الإسلام منن ظاهرة، فلقي الخليفة الراشد الأول أبا بكر الصديق وقال له: «إن القتل استحر بالقراء يوم اليمامة، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها فيذهب كثير من القرآن، فأرى أن يجمع القرآن.» فأرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت كاتب الوحي وأعلمه ما قال عمر، فقال: «كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله
صلى الله عليه وسلم ؟!» فقال عمر: «هو والله خير.» ولم يزل يراجعه حتى أقنعه، فقال له أبو بكر حينئذ: «تتبع القرآن واجمعه.» فجمعه من الرقاع واللخاف والعسب والقضم وصدور الرجال، ووجد سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري دون سواه، وبقيت الصحف عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند ابنته حفصة، فاستنسخها منها عثمان بن عفان، وأمر أربعة من الصحابة - وهم: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام - فنسخوها في المصاحف، وقال للرهط من قريش: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أنزل بلسانهم.» وذلك الاختلاف كان بالطبع لعدم وجود النقط والإعجام في الصحف التي جمعها أبو بكر، وهذه المصاحف الأربعة التي كتبها عثمان سميت بالعثمانية، أرسلها عثمان إلى الأمصار، وآخرها كان موجودا بدمشق، فأحرق مع الجامع الأموي منذ عهد قريب.
هذا وقد كان الخلفاء والملوك والسلاطين وأكابر أرباب الدولة لا ينقطون كتاباتهم، باعتبار أن تواقيعهم ظاهرة الدلالة مفهومة المراد فلا تحتاج إلى ذلك، وكان القوم إذا كتب أحدهم لفاضل منهم وأنقط وأعجم اعتبر المكتوب إليه ذلك خطأ من مقامه، ورأى أن صاحبه يستجهله؛ فأهمل لذلك النقط والإعجام، وكان ذلك الإهمال مدعاة للتصحيف والتحريف، وقد حدثت أمور طريفة من أنواع التصحيف نذكر منها هنا بعض الشيء تفكهة، فمن ذلك ما حكي عن بعض مشايخ المحدثين من المغفلين أنه قال: «عن رسول الله