ومن المبرزين في الخط في الدولة العباسية الضحاك بن عجلان الكاتب، وكان في أوائل هذه الدولة، ظهر إثر قطبة الذي كان في الدولة الأموية واستخرج الأقلام الأربعة، وزاد الضحاك على قطبة، ثم كان إسحاق بن حماد في ملك المنصور والمهدي، وله عدة تلاميذ كتبوا الخطوط الأصلية الموزونة، وهي اثنا عشر قلما: قلم الجليل، قلم السجلات، قلم الديباج، قلم اسطورمار الكبير، قلم الثلاثين، قلم الزنبور، قلم المفتح، قلم الحرم، قلم المؤامرات، قلم العهود، قلم القصص، قلم الحرفاج.
وممن أحسن الخط وبرع في الدولة العباسية وأهمل ذكره المؤرخون وذكره أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور في كتابه المسمى كتاب بغداد في الجزء السادس منه، الذي نشره وطبعه بخطه في بلاد سويسرا هذه الأيام المستشرق العلامة هنس كلر؛ هو العلامة الجليل أحمد بن يوسف، قال أحمد بن طاهر: «دخل أحمد بن يوسف يوما على المأمون، فأمره فكتب بين يديه والمأمون يمل عليه.» قال: «وكان أحمد بن يوسف مع لسانه حلو الخط جدا، فنظر المأمون إلى خطه فقال: يا أحمد، لوددت أني أخط مثل خطك وعلي صدقة ألف ألف درهم.» قال: «فقال له أحمد بن يوسف: لا يسؤك الله يا أمير المؤمنين؛ فإن الله - عز وجل - لو ارتضى الخط لأحد من خلقه لعلمه نبيه
صلى الله عليه وسلم .» قال: «فقال المأمون: سريتها عني يا أحمد. وأمر له بخمسمائة ألف درهم.»
ولما ظهر الهاشميون حدث خط يسمى العراقي، وهو المحقق، ولم يزل يزيد حتى انتهى الأمر إلى المأمون، فأخذ كتابه في تجويد خطوطهم، ثم أحدث ذو الرياستين الفضل بن سهل الوزير الكاتب خطا نسب إليه، فسمي القلم الرياسي، ثم ظهر أبو الحسين إسحاق بن إبراهيم التميمي، معلم المقتدر وأولاده وكان أكتب أهل زمانه، فألف رسالة في الخط سماها «تحفة الرامق»، ثم ظهر أبو على محمد بن على بن مقلة، الوزير الكاتب المتوفى سنة 328، وهو أول من كتب الخط البديع، نقل طريقته من خط الكوفيين وأبرزها في هذه الصورة، وله بذلك فضل المتقدم، وخطه غاية في الحسن، ثم ظهر صاحب الخط البديع علي بن هلال، المعروف بابن البواب، المتوفى سنة 413ه، ولم يوجد في المتقدمين من كتب مثله ولا قاربه، وإن كان ابن مقلة أول من نقل هذه الطريقة عن الكوفيين، فإن ابن البواب هذب طريقته ونقحها وكساها حلاوة وبهجة، ثم ظهر أبو المجد ياقوت بن عبد الله الرومي المستعصمي المتوفى 698، وهو أجل الخطاطين غير مدافع، وأحسنهم خطا غير معارض، وبعدئذ اشتهرت الأقلام الستة بين المتأخرين وهي: الثلث، والنسخ، والتعليق، والريحاني، والمحقق، والرقاع، برز في هذه الأقلام جلة من العلماء، ثم ظهر القلم الديواني والدشتي، وبقي الأمر تابعا لرونق الدولة وانخفاض شأنها، حتى آلت الخلافة للأتراك؛ فأحدثوا الخط الرقعة والخط الهمايوني، وإليهم انتهت الرياسة في الخط على أنواعه إلى عهدنا هذا.
| المحاضرة التاسعة: تتمة الكلام على الخط: النقط والإعجام
كانت الكتابة في بداية الإسلام ساذجة بسيطة، فلم يكن القوم يعنون بالنقط والإعجام تمييزا للحروف المتشابهة خطا؛ لأن أهل الصدر الأول أخذوا القرآن والحديث من أفواه الرجال بالتلقين، ثم لما كثر أهل الإسلام وتوغلوا في الحضارة، واشتدت الحاجة إلى الكتابة، اضطروا إلى النقط والإعجام، غير أن الظاهر - على ما قيل - أنهما موضوعان مع الحروف؛ إذ يبعد أن الحروف مع تشابه صورها كانت عرية عن النقط إلى حين نقط المصحف، وقد روي أن الصحابة جردوا المصحف من كل شيء حتى النقط، ولقد لبث الناس يقرءون في مصحف عثمان - رضي الله تعالى عنه - أربعين سنة ونيفا إلى أيام عبد الملك بن مروان حتى كثر التصحيف وانتشر في العراق؛ ففزع الحجاج إلى كتابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات، فوضعوا النقط أزواجا وأفرادا بعضها فوق الحرف وبعضها تحته، فغبر الناس زمانا لا يكتبون إلا بالنقط، ولكنهم مع ذلك كانوا يصحفون في كتبهم، فتلافى العلماء هذا التصحيف بوضع الإعجام (الحركات).