تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم ، عن جبريل، عن الله، عن رجل.» فجعل لله شيخا، ولو قال «عز وجل» لكان صادقا. ومن ذلك ما قيل: «إن النبي

صلى الله عليه وسلم

أعطى الحجام آجرة.» ولو قال «أجرة» لكان صادقا. ومن ذلك الذي قال: «مسح وجهه من القبح ولم يعرف يقرأ زمن الفتح.» ومن ذلك أن رجلا قرأ: «الم ذلك الكتاب لا زيت فيه»، وكان الرجل زياتا. ومنه أن تلميذا قرأ على معلم: «أن السموات والأرض كانتا رتقا»، فقال المعلم: «ويحك! زيفا.» ولا أذكر شيئا من آفات التصحيف، فقد استوفاها الإمام أبو أحمد الحسن العسكري في كتابه التصحيف والتحريف المطبوع في القاهرة حديثا، وإنما أقول إن ذلك وحالة الخط العربي توجب العناية؛ ولذلك أصبحنا والأفضل عندنا هو وضع النقط في مواضعها، وضبط الحروف التي يلتبس بعضها ببعض.

هذا ومما يجب أن يذكر بالإجلال والتكريم، ويعد من أجل حسنات عصر عبد الملك بن مروان الأمير الأموي، نقل الدواوين من اللغات الأعجمية إلى اللغة العربية، وكذلك تبديل المسكوكات الأعجمية بأخرى عربية؛ فإن ذلك النقل وهذا التبديل كانا من أمتن الأركان وأجل الدعائم في تحسين الخطوط العربية وإعلاء شأنها.

فأما الدواوين فإنها كانت في الشام بالرومية، وفي العراق بالفارسية، وفي مصر بالقبطية، حتى زمن الأمويين، اللهم إلا الديوان الذي أنشأه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في المدينة، فإنه كان بالعربية، فلما برع المسلمون أيام بني أمية في معرفة الخطوط، رأوا أن الوقت جاء لتحويل هذه الدواوين من تلك اللغات الأعجمية إلى اللغة العربية، فنقلوا ديوان الشام من الرومية إلى العربية في سنة 81ه، وذكروا في ذلك حكايات يبعد تصديقها، ولكن الذي يقرب من الظن أنهم أرادوا أن يعرفوا حسابهم بأنفسهم، وأما الحكايات التي رووها من أن كاتبا من الروم احتاج إلى الكتابة فلم يجد ماء، فبال في الدواة، فبلغ ذلك عبد الملك فأدبه، فغير معقول.

ولما أمر سليمان بن سعد بنقل الديوان، سأل أن يعان بخراج الأردن سنة، وهو 180000 دينار، فلم تنته السنة حتى أكمل الرجل نقل الديوان إلى اللغة العربية، وكان سرجون كاتب الملوك الأمويين، فلما رأى ذلك النقل ورآه محررا مضبوطا، اغتم وخرج من عند عبد الملك كئيبا حزينا، فلقيه قوم من كتاب الروم، فقال لهم: «اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة، فقد قطعها الله عليكم.»

وكذلك ديوان خراج السواد وسائر العراق لم يزل بالفارسية، حتى تولى الحجاج فاستكتب فارسيا، ولكي يمهد السبيل لنقله إلى العربية؛ استعمل معه رجلا اسمه أبو صالح حتى عرف أسرار الصناعة، ومات الفارسي مقتولا غيلة، فولى الحجاج أبا صالح مكانه، وتقدم إليه أن ينقل الديوان إلى العربية، فدس له أبناء الفرس على أن يظهر العجز عن هذا النقل فأبى، فقدموا له مقدارا من الذهب جسيما فأبى، وأعطاه الحجاج أجلا، فلم ينته حتى أتم عمله؛ ولذلك كان عبد الحميد بن يحيى يقول: «لله در صالح! ما أعظم منته على الكتاب!»

أما الديوان في مصر فإنه جعل باللغتين؛ أي بضم العربية إلى القبطية، فبقيتا معا زمانا طويلا تضمحل فيه القديمة شيئا فشيئا، وتقوى فيه الحديثة قليلا قليلا، حتى زالت القبطية من جميع دواوين مصر، وصارت الكتابة فيها كلها بالعربية.

فمن هذا نعلم أن ابتداء الاستدراج في النقل كان في أيام عبد الملك بن مروان، أما إتمام ذلك فكان في أيام الوليد بن عبد الملك، أتمه عبد الله أخو الوليد سنة 87ه.

وأما المسكوكات فإنها كانت رومية وفارسية، ولم يزل العرب يتعاملون بالدنانير الرومية والدراهم الفارسية وببعض دراهم حميرية قليلة حتى جاء الإسلام، فهم عمر بن الخطاب بأن يجعل الدراهم من جلود الإبل، فأظهر له الصحابة ما يترتب على ذلك من المضار، وقيل له: «إذا لا تغير» فأمسك وبقيت الحال على ذلك حتى انتهت أيام الخلفاء الراشدين، وجاء ملك بني أمية، فنازعهم إياه عبد الله بن الزبير، وبايعه الناس بمكة، فأوعز في سنة 70ه إلى مصعب بن الزبير أن يضرب دراهم إسلامية قليلة على طريقة الأكاسرة، وقيل إنه ضرب دنانير كذلك، ونقش عليها من جهة «بركة»، ومن الجهة الأخرى «الله».

الحضارة الإسلامية · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحضارة الإسلاميةص ٣٧