تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد أن استقر الإسلام في المدينة، أمر النبي

صلى الله عليه وسلم

أن تعلم صبيانها الكتابة والقراءة، واستعمل في ذلك من أسرى بدر من لم يستطع أن يفتدي نفسه بالمال، فكان فداء الرجل الواحد منهم تعليمه عشرة من أولاد المسلمين الكتابة والقراءة.

ثم أمر

صلى الله عليه وسلم

زيد بن ثابت الأنصاري أن يتعلم العبرانية أو السريانية، فتعلم هذه اللغة في نصف شهر - على ما قيل - فكان أول مترجم في الإسلام.

ولعظيم شأن الخط إذ ذاك عند العرب وقلة عارفيه كانوا يسمون من يعرفه ويعرف الرمي والسباحة بالكامل.

وإذ كان الخط من جملة الفنون والصنائع التي تقبل الزيادة والنقص، كان لأول الإسلام غير بالغ مبلغه من الإحكام والتنميق، ولا إلى التوسط لقلة المشتغلين به وقتئذ، وإذا تصفحنا المصاحف العتيقة المخطوطة بأقلام الصحابة، الباقية من ذلك العهد الأول في خزائن الكتب العمومية كالكتبخانة الخديوية المصرية وغيرها، علمنا أن خطوط الصحابة كانت غير متقنة، وفضلا عن ذلك فإن الكثير من رسمهم قد خالف ما اقتضته صناعة الخط عند أهلها، ثم خلف من بعد هؤلاء السلف الصالح خلف ظنوا أن الخط من الأمور التي لا تقبل زيادة ولا نقصا، أو أنها قد بلغت الكمال ببركة الصحابة؛ فاقتفوا آثارهم فيه، واتبعوا سننهم من غير أن يزيدوا فيه شيئا، وهذا الظن غير حسن؛ فإن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - لم يعنوا بالخط عناية تحسين وإتقان، وإلا لما كان زمنهم وحده كافيا لإحكام الخط وإعلاء شأنه، ولوجب عندئذ على من يخلفهم أن يعنى به عنايتهم ليبلغ منه ما أرادوا أن يبلغوه من الجودة والإحكام، أما ما زعمه بعض المغفلين من أن الصحابة كانوا محكمين لصناعة الخط، فغير صحيح وغير ميسور لهم إذ ذاك.

قال ابن خلدون:

إن أولئك المغفلين حسبوا أن أغلاط الرسم التي وقعت من الصحابة كانت مقصودة، وراحوا يظهرون لها أوجها ما أنزل الله بها من سلطان؛ لاعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة عن توهم النقص في قلة الخط، وحسبوا أن الخط كمال فنزهوهم عن نقصه، ونسبوا إليهم الكمال بإجادته، وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه، مع أن الخط ليس بكمال في حقهم؛ إذ الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية، والكمال في الصنائع إضافي ليس بكمال مطلق؛ إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ولا في الخلال، وإنما يعود على أسباب المعاش وبحسب العمران والتعاون عليه ؛ لأجل دلالته على ما في النفوس، وقد كان

صلى الله عليه وسلم

أميا، وكان ذلك كمالا في حقه وبالنسبة إلى مقامه لشرفه وتنزهه عن الصنائع العملية، التي هي أسباب المعاش والعمران كلها، وليست الأمية كمالا في حقنا نحن؛ إذ هو منقطع إلى ربه ونحن متعاونون على الحياة الدنيا شأن الصنائع كلها حتى العلوم الاصطلاحية، فإن الكمال في حقه هو تنزهه عنها جملة بخلافنا. ا.ه.

ولقد بقي الخط على حاله القديمة في زمن النبي

صلى الله عليه وسلم

والخلفاء الراشدين بعده لاشتغال المسلمين بالحروب الخارجية والفتن الداخلية، حتى زمن الأمويين الذي خفقت فيه راية الإسلام على المشرق والمغرب، فابتدأ الخط يسمو ويرتقي، وأول من كتب في أيام بني أمية قطبة، وقد استخرج الأقلام الأربعة واشتق بعضها من بعض، وكان أكتب الناس. وممن كان يوصف بحسن الخط في أيام بني أمية خالد بن أبي الهياج، وكان قد نصب لكتب المصاحف والشعر والأخبار للوليد بن عبد الملك الأمير الأموي، وكان الخط العربي حينئذ هو المعروف الآن بالكوفي، ومنه استنبطت الأقلام.

ولما استفحل ملك الإسلام، وأوغل العرب في المدنية، وازدان عصر العباسيين بأنوار العلم والعرفان، أخذت صناعة الخط تنمي وتنتشر وتتقدم كسائر الفنون التي ضرب فيها المسلمون بسهام نافذة لاحتياجهم إليها، وقد اشتدت حاجتهم إلى الخط بعد أن اختطوا البصرة والكوفة، وأنشئوا دور العلم، وشرعوا في نقل العلوم من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية؛ فاشتغل به جماعة من العلماء والكتاب في مدينتي العلم عند العرب، وهما: البصرة والكوفة؛ فعلا شأنه فيهما قليلا، وسمي عندئذ بالخط الكوفي لتفوقها فيه، وإن كان ذاك التفوق دون الغاية المطلوبة، ثم اشتد ساعد العرب وقويت شوكتهم وفتحوا إفريقية والأندلس، واختط بنو العباس بغداد وزينوها بدعائم العمران حتى صارت مركز الإمارة العربية؛ فتحسنت فيها الخطوط وارتقت إلى الغاية، ثم سمي خطها بالخط البغدادي، ثم تبعه في الظهور الخط الأفريقي المعروف رسمه القديم في ذلك العهد، ويقترب من أوضاع الخط المشرقي.

الحضارة الإسلامية · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحضارة الإسلاميةص ٣٤