وأول من كتب بالعربية أهل اليمن، وكانوا يسمون خطهم بالمسند، وهو الخط الحميري، وكانوا يكتبون حروفا منفصلة، ويمنعون العامة من تعلمه، حتى تعلمه ثلاثة نفر من طيئ فتصرفوا فيه، وسموه بخط الجزم؛ لأنه اقتطع من خط حمير، ثم علموه أهل الأنبار، وأولهم: مرامر بن مرة، وعامر بن جدرة، وأسلم بن سدرة، ومن الأنبار انتشرت الكتابة العربية، فأخذها عنهم أهل الحيرة وتداولوها، ومنهم: بشر بن عبد الملك أخو صاحب دومة الجندل، وعدي بن زيد وزيد بن عدي، وكانا من كتاب الأكاسرة. ولما قدم الحيرة حرب ابن أمية القرشي، جد معاوية بن أبي سفيان، نقل هذه الكتابة من الحيرة إلى الحجاز بعد أن عاد إلى مكة، وممن تعلمها من أهل الحجاز: ورقة بن نوفل، ابن خال خديجة زوج النبي
صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان.
والكتابة العربية الحالية متصلة، وتكتب من اليمين إلى اليسار، أما الحميرية فهي منفصلة كما تقدم، وتكتب تارة من اليمين إلى الشمال، وتارة من الشمال إلى اليمين، وأما اليونانية واللاتينية وما تفرع عنهما فمن اليسار إلى اليمين، وكلها على السطر الأفقي، بخلاف الصينية واليابانية فسطرهما رأسي.
والكتابة العربية يسهل فيها من السرعة ما لا يسهل في غيرها،
1
وإذ كانت الدواوين الإسلامية من أجل أسباب نشر الكتابة العربية وجب أن نعرفها. من المعلوم أن أمير المؤمنين الخليفة العادل عمر بن الخطاب هو أول من رتب الديوان في الإسلام، ولكنه قصره على قيد أسماء البعوث للعلم بغيبة من يغيب، وحصر أسماء الجند الإسلامي على ترتيب الأنساب، مبتدأ من قرابة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وما بعدها الأقرب فالأقرب، فكان الغرض منه معرفة من يغيب، ومعرفة من يستحق الحصة في الغنائم التي يغنمها المسلمون في الفتوح، ويمكننا أن نقول إن هذا الديوان الذي كان في المدينة المنورة إنما كان ديوانا للصرف لا للإيراد، أما دواوين الإيراد - وهي التي تسمى بدواوين الخراج والجبايات - فبقيت بعد الإسلام على ما كانت عليه من قبل، فديوان العراق بالفارسية، وديوان الشام بالرومية، وديوان مصر بالقبطية وكتابها من أهل العهد الذميين، فلما جاء عبد الملك بن مروان وتحولت الخلافة ملكا عضوضا، وانتقل القوم من غضاضة البداوة إلى رونق الحضارة، ومن سذاجة الأمية إلى حذق الكتابة، وظهر في العرب وفي مواليهم مهرة في الكتابة والحسبانات؛ أمر عبد الملك بنقل هذه الدواوين من الفارسية والرومية والقبطية إلى العربية؛ لأن الأمة أمكنها إذ ذاك أن تستغني عن القائمين بها من أهل هذه البلاد.
الخط
جاء الإسلام والذين يعرفون الخط من رجال قريش نفر قليل، وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبو عبيدة بن الجراح، وطلحة بن عبد الله، ويزيد بن أبي سفيان، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وحاطب بن عمر العامري، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وأبان بن سعيد وأخوه خالد ابنا العاص بن أمية، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري، وحويطب بن عبد العزى، وأبو سفيان بن حرب بن أمية، ومعاوية بن أبي سفيان، وجهم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب، والزبير بن العوام، وورقة بن نوفل ابن خال خديجة زوج النبي
صلى الله عليه وسلم ، ومن خلفاء قريش العلاء بن الحضرمي.
ومن النساء: الشفاء بنت عبد الله العدوية، كانت كاتبة في الجاهلية، وهي التي تزوجها النبي
صلى الله عليه وسلم ، وكذلك أم كلثوم بنت عقبة، وعائشة بنت سعد، وكريمة بنت المقداد، ثم أمر النبي
صلى الله عليه وسلم
الشفاء أن تعلم حفصة الكتابة فعلمتها.
ولما هاجر المسلمون إلى المدينة وجدوا في أهلها نفرا قليلا من اليهود ومن الأوس والخزرج يعرف الخط، فاستعملوا من الأوس والخزرج لكتابة الوحي أكثر من ثلاثين رجلا، وكان أول من كتب الوحي أبي بن كعب الأنصاري، وهو أول من كتب في آخر الكتاب: وكتب فلان.