والطائفة الثانية:
أهل اللغات «الآرية»، وهي جنوبية وشمالية، فأما الجنوبية فهي الشائعة في الهند وفارس، وكتابتها أصبحت بالحروف العربية بفضل انتشار الحضارة الإسلامية فيها (وذلك ما عدا اللغة السنسكريتية التي تعتبر من أقدم لغات العالم)، وأما الشمالية فهي المعروفة باللغات الهندية الأوروبية، وتشمل لغات أوروبا وقسم عظيم من أمريكا، وكتابتها بالحروف اليونانية واللاتينية أو «الرومانية» والسلافية أو «الصقلية»، ومرجع حروف هذه اللغات كلها اليونانية لأنها مصدرها.
والطائفة الثالثة:
اللغات التورانية، وأهمها التركية، وكتابتها بالحروف العربية.
فمن ذلك نستنتج أن الحروف العربية انتشرت بانتشار الحضارة الإسلامية في طائفتين من أهل اللغات البشرية، بل وفي الثالثة في اللغة الإسبانية، فقد كان بعض العرب حينما دالت دولتهم بالأندلس يكتب علومه ومعارفه، ومنها الفقه والحديث والتصوف وقصص الصالحين بل وترجمة القرآن، بحروف عربية، والكلام كله إسبانيولي قديم، ولا تزال بقايا هذه الكتب محفوظة في مكاتب إسبانيا، وقد طبع القوم منها أشياء، وعندي شيء منها في خزانتي، وتسمى هذه اللغة الخميادو
Aljamiado ، تحريفا للكلمة الأعجمية؛ لأن العين ليست في لغات الإفرنج، وكذلك الهمزة المتوسطة؛ فاضطروا أن ينطقوها ألجمى، ثم تداولوها فقالوا ألجمي بسكون اللام، والإسبانيون ينطقون الجيم خاء في أحايين كثيرة فقالوا ألخمي، ثم أضافوا إليها علامة النسبة عندهم فقالوا الخميادو
Aljamiado .
ونجد لذلك نظيرا في بلاد الشام، فإن عددا عظيما من السريان يكتب لغته بالحرف العربي، ويسمون هذه الكتابة «القلم الكرشوني»، وكذلك أهل مدقسكر، وأهل جزائر ملايو، وأهل موزنبيق، فإنهم يكتبون لغاتهم بالحروف العربية مع زيادة وتعديل، وإن كان لسانهم بعيدا عن اللسان العربي، ومثل ذلك اللغة الأوردية الشائعة في بلاد الهند، وكل ذلك دليل على انتشار المدنية الإسلامية وتأثيرها في العالم، واتساع نفوذها، ورسوخ أصولها في الأصقاع المتنائية.
هذا وإذا نظرنا إلى أشكال الحروف المستعملة الآن نجدها تنحصر في سبعة أشكال، وهي: العربية، والعبرانية، والسريانية، والكلدانية، والحبشية، والسامرية، واليونانية، وهذه الأشكال السبعة من أصل واحد قد تطرق إليه التحريف والتعديل، وتتغير تبعا لمقتضيات الأحوال؛ نظرا لعدم سهولة المواصلات في الأيام القديمة، ولعدم وجود الضابط الذي يرجع إليه في رد التحريف إلى أصله أو ملافاته ومنعه؛ إذ لم تكن الطباعة موجودة في تلك الأعصار، والحاضر أكبر دليل على ذلك؛ فإن الحروف العربية، وهي واحدة ومراجعها واضحة وضابطها موجود، وهو الطباعة، فضلا عن القواعد المقررة عند الخطاطين، فإننا نراها متغايرة بحسب البلاد المختلفة، فلها أشكال متغايرة تغايرا جزئيا في مصر، وفي الشام، وفي العراق، وفي فارس، وفي تركية، وفي تونس، وفي الجزائر، وفي المغرب، بله تغايرها في لغة السواحل (بلاد زنجبار)، وفي لغة الملايو، وفي غيرها من اللغات غير العربية التي يعتمد أهلها على الحروف العربية.
بل إننا في القطر الواحد نكتب الحروف بأشكال مختلفة، فلبعض الأقباط في القطر المصري نمط مخصوص، ولفقهاء الكتاتيب فيه نمط مخصوص، ولكتاب الدواوين نمط مخصوص، وكذلك الحال عند أهل الأقطار الأخرى ذوي اللغات الأجنبية.
ومن ذلك يسهل علينا فهم الاختلاف الذي حدث في أشكال الحروف عند الأمم القديمة، مع عدم وجود الضوابط المتوفرة لدينا الآن، ومن تأمل في الخطوط السامية وجد التقارب بينها كثيرا، وسهل عليه اشتقاق بعضها من بعض.
هذا وأول الخطوط العربية هو الحميري المعروف بالقلم المسند، ولا أدري لماذا سمي بالمسند، وقد بلغ نهاية الإحكام والإتقان والجودة في دولة التبابعة لما بلغته من الحضارة والترف، ثم انتقل منهم إلى الحيرة في دولة المناذرة والنعامنة نسباء التبابعة، ولكنه حرف واضمحلت جودته؛ نظرا لبعد ما بين الدولتين في الحضارة وعزة الملك، ومن الحيرة أخذته قريش قبل البعثة النبوية بقليل.