تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما خلقه: فالحلم والتواضع مع الشدة والمضاء عند الاقتضاء، ألف الخمول، وحببت إليه العزلة والبعد عن الناس خصوصا في أواخر أيامه، ولم يكن يبهره بهرج المناصب والرتب، ولا يرى لغير الحق سلطانا على نفسه، حتى حمله إخلاصه في النصح على وقفات وقفها لبعض حكام عصره كادت تودي به، وكانت سببا في تأخره عن أقرانه ومرءوسيه. (4-2) أولاده

مات عن ابن واحد وابنتين كبراهما السيدة عائشة التيمورية. (5) عائشة عصمت التيمورية

والمرحومة السيدة عائشة عصمت بنت إسماعيل باشا تيمور ابن محمد كاشف تيمور ولدت سنة 1256 هجرية بمدينة القاهرة من والدة جركسية الأصل، وقد بدأت حياتها بتعلم فن التطريز، فاستحضرت لها والدتها أدوات لتعليم هذا الفن، ولكنها كانت تميل بفطرتها إلى تعلم القراءة والكتابة، وقد آنس منها والدها هذا الميل فأحضر لها اثنين من الأساتذة، أحدهما إبراهيم أفندي مؤنس وكان يعلمها القرآن والخط والفقه، والآخر يدعى خليل أفندي رجائي وكان يعلمها علم الصرف واللغة الفارسية.

وبعدما أتمت حفظ القرآن الكريم تاقت نفسها إلى مطالعة الكتب الأدبية، وفي مقدمتها الدواوين الشعرية، حتى تربت عندها ملكة التصورات لمعاني التشبيهات الغزلية وسواها. ولما أصبحت قريحتها تجود بمعان مبتكرة لم يسبقها إليها سواها؛ رأى والدها أن يستحضر لها أساتذة من فضليات السيدات اللاتي ضربن بسهم وافر في العروض، ولكن الظروف لم تسعفه لزواجها من السيد الشريف محمد توفيق بك نجل محمود بك الإسلامبولي ابن السيد عبد الله أفندي الإسلامبولي كاتب ديوان همايوني بالآستانة سابقا، وكان ذلك في سنة 1271 هجرية فتفرغت للشئون الزوجية وتدبير البيت، ولا سيما بعدما رزقها الله بذرية صالحة من بنين وبنات، وبقيت على ذلك الحال حتى كبرت لها بنت كان اسمها توحيدة، فألقت إليها بزمام منزلها.

وكان والدها وزوجها قد قضيا إلى رحمة الله، فأحضرت لنفسها اثنتين لهما إلمام بالنحو والعروض إحداهما تدعى «فاطمة الأزهرية»، والثانية «ستيتة الطبلاوية»، وصارت تأخذ عنهما النحو والعروض حتى برعت وأتقنت بحوره وأحسنت الشعر، وصارت تنشد القصائد المطولة والأزجال المنوعة والموشحات البديعة التي لم يسبقها أحد على معانيها.

وقد جمعت ثلاثة دواوين بثلاث لغات هي العربية والتركية والفارسية. وحين شرعت في طبع هذه الدواوين توفيت كريمتها توحيدة المشار إليها وهي في الثامنة عشرة من عمرها فاستولى عليها الحزن، وتركت الشعر والعروض والعلوم نحو سبع سنين حتى أصابها رمد عينيها، وأخيرا سمعت قول الناصحين وخففت من بكائها ونوحها حتى شفاها الله من مرض العيون، فجمعت ما عثرت عليه من أشعارها في ديوان باللغة التركية سمته «كشوفة» طبعته في الآستانة، وفي ديوان آخر باللغة العربية سمته «حلية الطراز».

ثم رأت نفسها قادرة على التأليف، فألفت كتابا سمته «نتائج الأحوال»، ثم تابعت نشر مؤلفاتها نثرا وشعرا بعد ذلك، وقد لقيت جميعها الإقبال والانتشار.

ومن قصائدها المعروفة المشهورة القصيدة التي جاء في مطلعها:

بيد العفاف أصون عز حجابي

وبعصمتي أسمو على أترابي

وقولها في التغني بمدح الرسول الأعظم - صلوات الله عليه وسلامه:

أعن وميض سرى في حندس الظلم

أم نسمة هاجت الأشواق من أضم

فجددت لي عهدا بالغرام مضى

وشاقني نحو أحبابي بذي سلم

ومنها:

إني رددت عناني عن غوايته

وقلت يا نفس خلي باعث الندم

ولذت بالمصطفى رب الشفاعة إذ

يدعو المنادي فتحيا الناس من رمم

طه الذي قد كسا إشراق بعثته

وجه الوجود سناء الرشد والكرم

وجاء في ختام هذه القصيدة الرائعة:

محمد المصطفى مشكاة رحمتنا

مصباح حجتنا في بعثة الأمم

يا من به أقتدي يوم الزحام إذا

أبديت ناصية مفجومة الوسم

أقول حين أوافي الحشر في خجل

إن الكبائر أنست ذكرة اللمم

تاريخ الأسرة التيمورية · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الأسرة التيموريةص ٦