تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حدث بعض من كان معه في الديوان أن أصدقاءه فيه لما رأوا وقوفه تلك الوقفة خشوا عليه البطش، فزاروه ليلا وأشاروا عليه بالامتثال، وذكروه بمغبة المعاندة، فلم يجد نصحهم فيه وخرجوا كما أتوا، ولكن واحدا منهم تأثر فوقف وقال: إنما نصحناك أيها الأخ إشفاقا على مهجتك، وكلنا مستحسنون لعملك، فوالله لو كان فينا عشرة مثلك لما ديست أقدارنا، ولكان لهذه المناصب شأن غير هذا.

ولم يكن للمترجم حظ في دولة الخديو إسماعيل باشا، فبقي شطرا من حكمه بعيدا عن مشاغل الحكومة، متنقلا بين كتبه وضياعه معتذرا عن الاستخدام كلما طلب له؛ تفضيلا لما هو أهم في نظره، ولشيء كان يعلمه في نفس الخديو منه حتى صادفه مرة في متنزه الجزيرة، فسلم كما يسلم على الناس ثم تنبه له، فالتفت وأشار إليه بالسلام مرارا فلم يسعه إلا اتباع موكبه إلى قصره والتماس مقابلته لشكره على صنيعه، فلما مثل بين يديه أقبل عليه إقبالا غير منتظر، ثم دخل إسماعيل باشا صديق المفتش المشهور في تاريخ مصر وكأنه جهل المترجم أو تجاهله، ولحظ الخديو منه ذلك، فقال له ممازحا: «يشاع على الألسنة الآن أنه إذا اجتمع اثنان متفقان في الاسم لا يدخل بينهما شيطان، فكيف إذا كانوا ثلاثة؟!» ثم عرفه به فاعتذر إليه بدهشة القدوم وطول العهد به.

وبعد أن خرج من حضرته أنعم عليه برتبة باشا، ثم اختاره ناظرا لخاصة ولي العهد محمد توفيق باشا فقبلها متورطا؛ لأن نفسه كانت سئمت الاستخدام بعد أن ذاقت حلاوة العزلة ومنادمة الكتب.

وما أشيع من أنه قال عندما بلغه الأمر: «أبعد خدمتي للحكومة ورئاستي على الديوان أجعل في آخر عمري مربيا للأطفال؟!» فليس بصحيح.

وقدر الله أنه لم يمض عليه فيها ستة أشهر حتى فاجأه أجله بين غروب يوم الخميس 25 شوال سنة 1289 وهو يصلي الركعة الأخيرة من المغرب بقصر ولي العهد بالقبة، فنقل من ساعته إلى داره، ودفن في اليوم التالي بجوار والده. ورثته ابنته السيدة عائشة بقصيدة مثبتة في ديوانها مطلعها:

عز العزاء على بني الغبراء

لما توارى البدر في الظلماء

هذا مجمل خبره في مناصبه التي تولاها، وقد تركنا منها ما لم نتحقق من زمنه، كالعضوية في مجلس الأحكام، ووكالة الداخلية، ورئاسة مجلس التجارة؛ كما أننا لم نهتد إلى تفصيل في تواريخ ما ذكرنا إلا أننا وقفنا على قصيدة في مدحه في ديوان الشيخ علي الدرويش شاعر الأسرة العلوية يقول في مطلعها:

ذات عليها للإمارة رونق

وعليه من حسن الثناء دليل

ومنها:

فخر يقول السعد فيه أرخوا

نجل تيمور رقى إسماعيل

ولا ريب في أنه أراد تهنئته برتبة أو منصب، كما يؤخذ من شطر البيت الثاني. (4-1) حليته وأخلاقه

كان ربعة أبيض الوجه، مستدير اللحية وقد وخطها الشيب في أواخر أيامه، جهوري الصوت مع فصاحة في العبارة وطلاقة في اللسان، ولهذا انتدب عدة مرات لقراءة التقاليد والعهود السلطانية التي كانت ترد بولاية وال أو تقرير أمر جديد، ويحتفل بتلاوتها على ملأ من الكبراء والأعيان. وكان شغوفا بالعلم والعلماء لا يخلو مجلسه منهم، مولعا بالمطالعة، يرى أسعد أوقاته الساعة التي يقضيها في قراءة كتاب أو تحقيق مسألة، مع المغالاة في اقتناء الكتب النفيسة ، شراء واستنساخا، والإقبال عليها بالمطالعة، حتى روي عنه أنه كان يقول: «إني لأستحي أن يقع في يدي كتاب ولا أطالعه.» هذا مع ما هو مشغول به من أمور الدولة ومشاقها؛ فكانت أيام عزله أبرك الأيام عليه وأوفقها لما تنزع إليه نفسه، ولو لم يشغل بالاستخدام لكان له شأن في العلم غير ما كان. ومن الغريب أن ما تعب في جمعه من الكتب تشتت وتفرق بعد موته ولم يبق منه إلا فهرس الأسماء فقط، حتى كتابه الذي عني بتأليفه وأودعه خلاصة مطالعاته محاكيا به سفينة راغب باشا، ذهب مع ما ذهب من أوراقه.

تاريخ الأسرة التيمورية · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الأسرة التيموريةص ٥