تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما هدأت نزعة المصرية الحادة واستقرت الأمور في نصابها؛ بدأ ينظر إلى الأدب نظرة أوسع وأشمل؛ فسافر وقتئذ إلى أوروبا وقضى بها أكثر من عامين تفرغ فيهما للقراءة، واتصل بالأدب الأوروبي الحديث اتصالا مباشرا؛ فطالعته هناك مرئيات هزت نفسه ومشاعره وازدادت خبرته بالحياة ومعرفته لها، ودرس نظريات الأدب الرفيع فترك اللون المحلي واتجه نحو النفس البشرية يصور منازعها مطلقا روحه على سجيتها، غير متمذهب بمذهب، معتقدا أن المذاهب الأدبية ما هي إلا مقاييس منطقية وضعها النقاد، فلا يجب أن يتقيد بها الأدباء.

هذا موجز يصور الدور الأول من حياة المترجم له.

وقد قرر مجمع فؤاد الأول للغة العربية تتويج جميع الإنتاج القصصي باللغة الفصيحة لمحمود تيمور بك ومنحه جائزة القصة لسنة 1947م.

وأعلن المجمع قراره هذا في حفل أقامه يوم 5 أبريل سنة 1947م بدار الجمعية الجغرافية، وكان المقرر هو حضرة صاحب العزة الأستاذ محمد فريد بك أبو حديد عضو المجمع، فألقى بحثا جاء فيه ما يأتي:

اختار المجمع اللغوي في هذا العام من بين المبرزين في القصة الأستاذ الكبير محمود بك تيمور، فأهداه جائزة القصة إشارة منه إلى هذا المعنى، ثم اعترافا بما للأستاذ الكبير من أثر محمود في القصة في أدبنا الحديث.

فقد ألف الأستاذ محمود تيمور بك نحو خمسة وعشرين كتابا، بعضها مجموعات من قصص قصيرة، وبعضها قصص تمثيلية، والبعض روايات قصصية مطولة، ومنها كتاب في الرحلات على نحو مستحدث في الأدب العربي، ومنها كذلك كتاب مقالات ساخرة في نقد المجتمع، وآخر في أصول فن القصص ودقائقه. وألف كذلك قصصا «سينمائية» مثلت منها على اللوحة الفضية روايته «رابحة»، فكانت مسرحية موفقة في عالم الخيالة.

فأكثر جهود الأستاذ تيمور بك متجهة كما يظهر إلى نوعين من القصة: التمثيلية، والقصة القصيرة ...

وقد كانت القصة التمثيلية عنده أسلوبا في الكتابة لا يقصد بها الاتجاه إلى التمثيل على المسارح؛ فتمثيليات «تيمور» أقرب إلى أن تكون نوعا آخر من القصة القصيرة.

والفرق بين النوعين أن التمثيلية تعتمد في تصوير الأشخاص على محاورات أحاديثهم وحركاتهم، على حين أن القصة تعتمد على الأكثر في تصوير الأشخاص على وصف هيئاتهم ووصف مواقفهم وما يبدو من أعمالهم.

ولم يخرج من تمثيليات «تيمور» على المسرح إلا عدد محدود، وكان آخرها تمثيلية «حواء الخالدة» التي كان لها أكبر حظ من التوفيق.

ولسنا هنا في سبيل التعرض لطريقة «تيمور بك» في فنه، ولا التحدث تفصيلا عن مذهبه في القصة، وحسبنا أن نشير إلى أنه في كل آثاره يتجه نحو إبراز الفكرة الواحدة يعرضها في إطار محدود. ومن ثم يمكن أن نقول: إن فن القصة القصيرة وما يتصل بها من المسرحيات القصيرة؛ هو الجانب الذي خص به فنه إلى الآن؛ فهو في أدبنا الحديث يشبه «تشيكوف» و«مكسيم جوركي» في الأدب الروسي، و«موباسان» في الأدب الفرنسي.

ولا يملك المتتبع لآثار «تيمور» إلا أن يرى الفرق واضحا بين آثاره الأولى وآثاره الأخيرة.

ولعل مجموعة قصصه «فرعون الصغير» هي التي تمثل لنا روح فنه في العصر الأول، وهو يسير فيها - على عادته - يرسم الأشخاص في براعة حتى يكاد القارئ يلمح فيهم بعض من عرف من جيرانه، ولكن حماسة الشباب تبدو واضحة في أسلوبه؛ ففيه يعلو صوته، وتشتد حركته حتى لقد تبلغ ما يشبه العنف، ثم هو يعمد أحيانا إلى شيء من المفاجأة، وقد يظهر ما ينم عن الحنق أو الأحكام الخلقية.

ولكن آثاره الأخيرة تنم عن تغير محسوس في أسلوب التعبير؛ فهو يرسم الأشخاص كما اعتاد أن يرسمهم في براعة، ولكنه يتحدث هادئا مترفقا منخفض الصوت رقيق الحركة، تحس في كل عباراته أن قلبه مملوء عطفا على الإنسان.

وإنا نستطيع أن نقول في ثقة، إنه قد بلغ في بعض قصصه الأخيرة مرتبة عالية حق لنا أن نفاخر بها؛ فهو في قصته «ولي الله» من مجموعة «شفاه غليظة» يصور أسمى جانب من القلب الإنساني عندما يصور لنا أن هناك ما هو أعلى من عدالة القوانين. وفي قصة «كلب أسعد بك» يرسم لنا في وداعة صورة اجتماع السمو والإسفاف في الحطام البشري. وفي قصة «البديل» يصور لنا كيف تنطوي أسمى العواطف في كلب الإنسان وإن كان في عرف المجتمع الجامد موضعا للزراية؛ ففي مثل هذه القصص يظهر فن «تيمور» رائعا إذا قيس بأعلى آثار القصص في الأدب العالمي.

تاريخ الأسرة التيمورية · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الأسرة التيموريةص ١٢